متابعات : كتابات في الميزان
تشهد بغداد وعدد من المحافظات العراقية خلال السنوات الأخيرة تصاعدًا في عمليات تجريف البساتين وتحويلها إلى مجمعات سكنية أو قطع أراضٍ سكنية، في ظل أزمة إسكان متفاقمة وارتفاع غير مسبوق في أسعار العقارات والأراضي، الأمر الذي وضع المواطنين وصناع القرار أمام معادلة صعبة تجمع بين الحاجة إلى توفير السكن والحفاظ على المساحات الزراعية والبيئة.
ويرى مختصون أن الطلب المتزايد على الوحدات السكنية، مدفوعًا بالنمو السكاني وتراجع المعروض من الأراضي المخدومة، أدى إلى ارتفاع أسعار العقارات إلى مستويات تفوق قدرة شريحة واسعة من المواطنين، ما دفع بعض المستثمرين وأصحاب الأراضي إلى التوسع على حساب البساتين والمناطق الزراعية، ولا سيما في أطراف المدن.
ويحذر خبراء البيئة من أن استمرار تجريف البساتين ستكون له آثار بعيدة المدى، تتمثل في تقلص الرقعة الخضراء، وارتفاع درجات الحرارة، وتراجع التنوع الحيوي، فضلاً عن زيادة العواصف الترابية وتدهور جودة الهواء، مؤكدين أن البساتين تمثل رئة المدن العراقية وخط الدفاع الأول في مواجهة التغيرات المناخية.
في المقابل، يؤكد مختصون في التخطيط العمراني أن أزمة السكن تتطلب حلولًا استراتيجية لا تعتمد على إزالة البساتين، بل على التوسع العمراني المدروس، واستثمار الأراضي غير المستغلة داخل المدن، وإنشاء مدن سكنية جديدة متكاملة الخدمات، إلى جانب تفعيل مشاريع الإسكان العمودي وتوفير البنى التحتية اللازمة لها.
ويطالب مواطنون الحكومة باتخاذ إجراءات متوازنة تحقق حق الأسرة العراقية في الحصول على سكن مناسب، وفي الوقت نفسه تحافظ على الأراضي الزراعية من التجاوزات، عبر تشديد الرقابة على عمليات تغيير جنس الأراضي، وإطلاق مشاريع إسكانية مدعومة تستهدف ذوي الدخل المحدود، بما يسهم في كبح ارتفاع أسعار العقارات والإيجارات.
ويرى مراقبون أن معالجة هذه القضية تتطلب رؤية وطنية شاملة تجمع بين التخطيط الحضري والحفاظ على البيئة، فالسكن حق أساسي لكل مواطن، كما أن حماية البساتين تمثل مسؤولية وطنية لضمان مستقبل أكثر استدامة للأجيال القادمة، وهو ما يستدعي إيجاد توازن حقيقي بين متطلبات التنمية العمرانية وصون الثروة الزراعية والبيئية في العراق.
