مقترح حذف ثلاثةْ أصفارٍ منْ الدينارِ العراقيِ  الأبعاد الاقتصادية والمالية

  يعدُ مقترح حذف ثلاثةِ أصفارٍ منْ الدينارِ العراقي، أحد أبرزِ مشروعاتِ الإصلاحِ النقديِ التي طرحتْ منْ قبلِ بعضُ الخبراء والمتخصصينَ في الشأنِ الماليِ والمصرفيِ في العراقِ خلالَ السنواتِ الأخيرة، ويقصدُ بهِ استبدال كلّ (1000) دينار حاليّ بدينارٍ واحدٍ جديد، دونَ أنْ يترتبَ على ذلكَ أيُ تغييرٍ في القيمةِ الحقيقيةِ للثروةِ أوْ القوةِ الشرائيةِ للمواطنين، ويهدفُ هذا الإجراءُ إلى تبسيطِ التعاملاتِ المالية، وتقليلِ حجمِ الكتلةِ النقديةِ المتداولة، وتعزيزِ كفاءةِ السياسةِ النقدية، إذا ما نفذَ ضمنَ برنامجِ إصلاحٍ اقتصاديٍ ومصرفيٍ متكامل.
   تبرزُ أهميةُ الممقترح، في معالجتهِ عددا منْ المشكلاتِ الهيكلية، منها اكتنازُ الأموالِ خارجَ الجهازِ المصرفي، وضعفِ الشمولِ المالي، وارتفاعِ حجمِ الاقتصادِ غيرِ الرسمي، وتهريبِ العملة، فضلاً عنْ ارتفاعِ تكاليفِ طباعةِ النقدِ ونقلهِ وتأمينه، كما يسهمُ في تبسيطِ العملياتِ المحاسبية، وتقليلِ الأخطاءِ الرقمية، وإصدارِ عملةٍ جديدةٍ أكثر أمنا في مواجهةِ التزوير.
   تكمنُ إحدى أهمَ مزايا المشروع، في إمكانيةِ استقطابِ الأموالِ المكتنزةِ وإعادتها إلى القطاعِ المصرفي، شريطةَ توافرِ الثقةِ بالمصارفِ واعتمادَ مدةٍ انتقاليةٍ مناسبةٍ لاستبدالِ العملة، إذْ يؤدي ذلكَ إلى زيادةِ الودائع، وتعزيزِ قدرةِ المصارفِ على التمويلِ والإقراض، وتحسين إدارةِ السيولة، فضلاً عنْ الحدِ منْ غسلِ الأموالِ والأنشطةِ الاقتصاديةِ غيرِ الرسمية.
  يتكاملُ مقترح حذفِ الأصفارِ معَ التوسعِ في الدفعِ الإلكتروني، الذي يسهمُ في تعزيزِ الشمولِ المالي، وتقليلِ الفسادِ والرشوةِ والتهربِ الضريبي، وخفضِ تكاليفِ إدارةِ المدفوعاتِ الحكومية، ومعَ ذلك، لا ينصحُ بالاستغناءِ الكاملِ عنْ النقد، بلْ ينبغي اتباعُ سياسةٍ تدريجيةٍ تقومُ على تقليلِ استخدامه، معَ وضعِ حدودٍ للمدفوعاتِ النقديةِ الكبيرة، ولا سيما في شراءِ العقاراتِ والسياراتِ والمدفوعاتِ الحكومية. 
   تؤكدُ التجاربُ الدولية، أنَ نجاحَ إعادةِ تسميةِ العملة، يرتبطُ بوجودِ إصلاحاتٍ اقتصاديةٍ شاملة، فقدْ نجحتْ تركيا ورومانيا وغانا والبرازيلُ في تنفيذِ هذهِ السياسةِ بعدَ تحقيقِ الاستقرارِ الاقتصاديِ والسيطرةِ على التضخمِ وإصلاحِ القطاعِ المصرفي، بينما أخفقتْ زيمبابوي وفنزويلا؛ لأنَ حذفَ الأصفارِ لمْ يكنْ مصحوبا بإصلاحاتٍ اقتصاديةٍ حقيقية. أما المؤسساتُ الدولية، ومنها صندوق النقدِ الدوليِ والبنكِ الدولي، وبنكِ التسوياتِ الدولية، فترى، أنَ حذفَ الأصفارِ لا يحققُ أهدافهُ ما لمْ يسبقهُ استقرارُ الأسعار، وضبطُ الماليةِ العامة، وتعزيزُ الثقةِ بالمصارف، وتطويرُ البنيةِ التحتيةِ للمدفوعاتِ الرقميةِ والأمنِ السيبراني.
  في الحالةِ العراقية، يمتلكُ المشروعُ عددا منْ عناصرِ القوة، أهمها زيادةْ الودائعِ المصرفية، وتحسين الشمولِ المالي، وتقليل التهريبِ النقدي، ودعم التحول الرقمي، ورفع كفاءةِ السياسةِ النقدية، إلا أنهُ يواجهُ تحدياتٍ تتمثلُ في ضعفِ الثقةِ بالمصارف، وتفاوتَ مستوى الخدماتِ المصرفية، وضعفُ البنيةِ التحتيةِ للإنترنت والكهرباءِ في بعضِ المناطق، إضافةً إلى الحاجةِ لتشريعاتٍ وإجراءاتٍ تنظيميةٍ جديدة. 
  منْ كلِ ما تقدم، فإنَ مقترح حذفَ ثلاثةِ أصفارٍ منْ الدينارِ العراقي، لا يمثلُ هدفا بحدِ ذاته، وإنما يعدُ أداةً منْ أدواتِ الإصلاحِ النقدي، ويعتمدُ نجاحهُ على إصلاحِ القطاعِ المصرفي، وضمانِ الودائع، وتوسيعِ استخدامِ الدفعِ الإلكتروني، وتوفيرِ بنيةٍ تحتيةٍ ماليةٍ وتقنيةٍ متطورة، معَ منحِ مدةٍ انتقاليةٍ كافيةٍ لاستبدالِ العملة. أما تطبيقهُ بمعزلٍ عنْ هذهِ الإصلاحات، فمنْ المرجحِ أنْ تكونَ آثارهُ محدودة، وقدْ يؤدي إلى اضطراباتٍ اقتصاديةٍ واجتماعيةٍ غيرِ مرغوبة. لذا؛ فإنَ نجاحَ المقترح، يتطلبُ إعدادا مؤسسيا وتشريعيا شاملا، والاستفادة منْ التجاربِ الدوليةِ بما يتلاءمُ معَ خصوصيةِ الاقتصادِ العراقي.

الدينار العراقي.jpg