﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (سورة الإسراء: 24)
في الأول من تموز من كل عام، يحتفل آلاف العراقيين بتاريخ ميلاد ليس هو تاريخ ولادتهم الحقيقي، بل تاريخٌ دوّنته الظروف القاسية. فقد ضاعت سجلات، واحترقت وثائق، وأتلفت فيضانات بغداد في خمسينيات القرن الماضي وغيرها الكثير من القيود الرسمية، كما أن كثيرًا من العائلات لم تتمكن من تسجيل مواليدها في وقتها بسبب ظروف الحياة وتعقيدات الإجراءات، فاعتمدت دوائر الأحوال المدنية يوم 1/7 تاريخًا رسميًا لميلاد من تعذر إثبات تاريخ ولادتهم. لكن هذا التاريخ لم يعد مجرد رقم في وثيقة، بل أصبح شاهدًا على جيلٍ عظيم؛ جيلٍ حمل أعباء الوطن في السلم والحرب، وقدّم من عمره وشبابه ما لا يُقدّر بثمن. فمنهم من أمضى سنوات طويلة في الخدمة العسكرية، ومنهم من ارتقى شهيدًا في ميادين القتال، ومنهم من عاد ليبني وطنه بيديه، ويكافح من أجل تربية أبنائه وأحفاده، رغم ما ذاقه من تعبٍ وحرمان. إنهم أصحاب الرؤوس التي زيّنتها الشيبة وقلوبٍ بقيت نابضة بحب العراق. لذلك، يستحق الأول من تموز أن يكون "عيد ميلاد أبطال العراق"، أو "عيد ميلاد الشيبة البيضاء"، وفاءً لجيلٍ صنع التاريخ بصمته وتضحياته. ومن الجميل أن يحيي الأبناء والأحفاد هذا اليوم بكلمة وفاء، أو رسالة محبة، أو زيارة، أو دعاء، فتكريم الكبار ليس واجبًا أخلاقيًا فحسب، بل هو اعتراف بجميل من صنعوا حاضرنا بتضحياتهم. كما نأمل أن تتبنى الدولة إصدار طابع بريدي تذكاري يحمل دلالة هذا التاريخ، ليبقى رمزًا وطنيًا يخلّد تلك الفئة التي كتبت صفحات مشرقة من تاريخ العراق. وقد صدق الشاعر: وقِّرْ كبيرَ القومِ يوقِّرْكَ الزمانُ فالفضلُ يبقى، والوفاءُ هو العنوانُ. ورحم الله من رحل منهم، وأطال في أعمار من بقي، وألهم أبناءهم وأحفادهم أن يظلوا أوفياء لذاكرة الآباء والأجداد، فالأمم العظيمة لا تنسى رجالها، ولا تغفل عن تكريم من بذلوا أعمارهم في سبيله.
✦ كتابات في الميزان ✦
يتناول المقال دلالة الأول من تموز بوصفه تاريخًا ارتبط في ذاكرة العراقيين بآلاف المواطنين الذين سُجلت ولاداتهم فيه نتيجة ظروف استثنائية، حتى أصبح رمزًا لجيلٍ حمل أعباء الوطن وقدم التضحيات في ميادين الخدمة والعمل والبناء. ويدعو الكاتب إلى تحويل هذا التاريخ إلى مناسبة للوفاء والتقدير لأصحاب الشيبة البيضاء، عبر تكريمهم واستذكار عطائهم، مع التأكيد أن احترام الكبار وحفظ جميلهم يمثلان قيمة إنسانية ووطنية لا ينبغي أن تغيب عن الأجيال.
