لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد منصات لتبادل الصور والأخبار؛ لقد تحولت إلى مصانع لإنتاج الوعي والذائقة واللغة وحتى الذاكرة. وبينما يبدو "الترند" حدثًا عابرًا لا يعيش أكثر من ساعات، فإنه يترك في الوعي الجمعي آثارًا قد تمتد لسنوات.
في الأمس كانت النخب الثقافية تصوغ الذوق العام عبر الكتب والصحف والجامعات. أما اليوم، فقد يستطيع مقطع لا يتجاوز ثلاثين ثانية أن يعيد تعريف الجمال، أو البطولة، أو النجاح، أو حتى الحقيقة.
لم يعد السؤال: ماذا نقرأ؟ بل أصبح: ماذا نشاهد؟ ومن الذي يقرر ما نشاهد؟ هنا تكمن المفارقة؛ فالموضوع الذي يبدو تافهًا، كرقصة تنتشر أو عبارة ساخرة أو تحدٍ إلكتروني، ليس حدثًا بريئًا دائمًا.
إنه علامة على تحولات أعمق في الاقتصاد والثقافة والسياسة. فوسائل التواصل لا تكافئ الأعمق، بل تكافئ الأكثر قدرة على جذب الانتباه، حتى لو كان ذلك على حساب المعنى.
مع ذلك، لا ينبغي اختزال وسائل التواصل في صورة قاتمة. فقد منحت ملايين الأشخاص فرصة التعبير عن ذواتهم، وأتاحت للمعرفة أن تنتشر خارج أسوار المؤسسات التقليدية، وخلقت فضاءات جديدة للنقاش والإبداع.
لكنها في الوقت نفسه فرضت إيقاعًا سريعًا جعل التفكير الطويل يبدو بطيئًا، والتأمل ترفًا، والصمت غيابًا.
✦ كتابات في الميزان ✦
يتناول المقال التحول الكبير الذي أحدثته وسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل الوعي العام، بعدما تجاوزت دورها بوصفها منصات للتواصل لتصبح مؤثرة في صناعة الذوق والثقافة وتوجيه الرأي العام. ويبين الكاتب أن هيمنة "الترند" أعادت ترتيب أولويات المتلقي، فأصبحت سرعة الانتشار تتقدم على عمق الفكرة، مع ما يحمله ذلك من آثار في تشكيل المفاهيم والقيم. وفي المقابل، لا يغفل المقال الجوانب الإيجابية لهذه الوسائل، إذ يبرز دورها في توسيع فرص التعبير ونشر المعرفة، مؤكداً أن التحدي الحقيقي يكمن في تحقيق التوازن بين الاستفادة من إمكاناتها والحفاظ على التفكير النقدي والوعي العميق في عصر تتسارع فيه تدفقات المعلومات.
