المرتجى والمؤجل في حملة الزيدي على الفساد

​منذ منتصف مايس الماضي، أطلقت حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي حملة ملاحقات وتوقيفات طالت أكثر من 47 متهمًا من نواب ومسؤولين ورؤساء كتل، على خلفية قضايا فساد تتجاوز ثلاثة مليارات دولار في وزارتي النفط والكهرباء.
من ذلك وإليه لنا في التاريخ عبر .. ومنها أن تفكيك شبكات كهذه يتطلب جراحة راديكالية لا تكتفي بملاحقة الهوامش، في ظل وجود هيكل فساد.... وهذا ما حدث تماماً بعد "ثورة الورد" في جورجيا عام 2003، حين سرّح جهاز الشرطة بأكمله وأُعيد بناؤه من الصفر لقطع دابر الرشوة، محققاً قفزة تاريخية في مؤشرات النزاهة. لكن نجاح جورجيا استند إلى قرار سياسي حاسم افترض أصلاً غياب "الفيتو المسلح" الذي يحمي شبكات النفوذ، ما يجعل المقارنة هنا تقع في باب استشراف الحلول لا القياس المباشر.
 
​• وقائع الحملة
​تكشف القراءة المعمقة للمشهد الحالي عن مفارقة واضحة تشبه التنازع بين الرغبة والقدرة:
- ​المرتجى؛ التنسيق العملياتي جرى سرياً ومباشرة بين الزيدي ورئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، بمعزل عن قيادات "الإطار التنسيقي".
- رفع الحصانة عن نواب واستهداف رئيس كتلة سياسية يُعد تحرراً جزئياً من قيد "التوازن المكوناتي" الذي شَرعن الفساد تاريخياً تحت لافتة السلم الأهلي.
- ​المؤجل؛ في المقابل، تكشف القراءة الميدانية عن "انتقائية اضطرارية"؛ حيث اقتصرت الملاحقة على الوكلاء والوسطاء (الخط الثاني والثالث)، وهي مجانبة لواقع تأكد فيه أن الفساد في العراق ليس انحرافاً فردياً يمكن قصه، بل هو آلية هيكلية في اروقة مؤسسات شهدت تدويرا سسلبيا للنفوذ.
 
لانجافي الحقيقة قطعا لو قلنا ان ​الملف ليس عراقياً خالصاً؛ فواشنطن تتابع المشهد برغبة واضحة في تجفيف منابع السلاح المنفلت وتهريب العملة. وتحمل كواليس التحقيقات إشارات ودعماً أمريكياً مباشراً لحكومة الزيدي عبر استئناف تدفقات الدولار، بموازاة رسائل تحذيرية طالت رموزاً سياسية سابقة وازنة.
​غير أن مراكز الأبحاث الدولية ترجح أن واشنطن قد تكتفي بـ "نتائج رمزية وإدانات محدودة" تمنح الزيدي مكسباً سياسياً، دون الذهاب نحو تفكيك شامل قد يفجر النظام السياسي من الداخل.
 
• ​التدرج الكوري كبديل واقعي
​على النقيض من راديكالية جورجيا، تقدم كوريا الجنوبية مساراً تدرجياً مغايراً؛ فالنخبة الفاسدة هناك لم تُجتث في ليلة وضحاها، بل جرت ملاحقتها عبر عقود، وحوكم رؤساء سابقون وأُودعوا السجون بعد سنوات من مغادرتهم مناصبهم، مما رسخ قاعدة: "المنصب لا يوفر حصانة أبدية".
​بين التجربتين، يبدو العراق مجبراً على خيار "المراحل" بحكم الأمر الواقع؛ لتفادي متجه غير سلمي. لكن نجاح هذا المسار مشروط بأن تشق المقصلة طريقها -ولو متأخرة- نحو الرؤوس الكبيرة التي تمتلك مفاتيح الموازنات وعقود الاستثمار الكبرى. وإلى أن نرى حيتان الخط الأول خلف القضبان، سيبقى التوصيف الأدق للمشهد: المرتجى كبير.. والمؤجل أكبر.

✦ كتابات في الميزان ✦
يتناول الكاتب واقع حملة مكافحة الفساد في العراق، متوقفاً عند ما تحقق منها وما يزال ينتظر الإنجازه، من خلال قراءة تجمع بين المعطيات السياسية والتجارب الدولية. ويشير إلى أن ملاحقة بعض المتهمين تمثل خطوة مهمة، لكنها لا تكفي ما لم تمتد إلى الرؤوس الكبرى وشبكات النفوذ التي صنعت منظومة الفساد. كما يقارن بين النموذج الجورجي القائم على التغيير الجذري، والنموذج الكوري الجنوبي الذي اعتمد التدرج في الإصلاح، ليخلص إلى أن نجاح الحملة سيقاس بقدرتها على ترسيخ مبدأ خضوع الجميع للمساءلة، بعيداً عن الانتقائية أو الحسابات السياسية.

الفساد.jpg