قراءة في كتاب «المأتم الحسيني.. مشروعيته وأسراره» للسيد عبد الحسين شرف الدين الموسوي (قدس سره)

✦ كتابات في الميزان ✦

منذ الصفحات الأولى يشعر القارئ أن هذا الكتاب لا يريد أن يدافع عن المأتم الحسيني بقدر ما يريد أن يشرح فلسفته وأبعاده. فالسيد عبد الحسين شرف الدين لا يكتفي بعرض الأدلة الشرعية، وإنما يصحب القارئ في رحلة هادئة بين النصوص والتاريخ وسيرة النبي وأهل البيت (عليهم السلام)، ليصل إلى نتيجة مفادها أن إحياء ذكرى الإمام الحسين (عليه السلام) ليس عادة اجتماعية، بل رسالة تحمل أبعادًا دينية وتربوية وإنسانية.

وأكثر ما يشد القارئ أن المؤلف لا يدخل في سجال مع المخالفين، ولا يعتمد لغة الانفعال، وإنما يفسح المجال للنصوص كي تتحدث بنفسها. فهو يبدأ من أصل فقهي بسيط، ثم ينتقل إلى سيرة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، مستعرضًا مواقف بكائه على حمزة وجعفر وابنه إبراهيم وغيرهم، ليؤكد أن البكاء على أهل الفضل والرسالة ليس أمرًا طارئًا، وإنما هو تعبير إنساني أقرته الشريعة واحتضنته السيرة النبوية. وبهذا التدرج يصل بالقارئ إلى مشروعية البكاء على الإمام الحسين (عليه السلام) من غير تكلف ولا تعسف في الاستدلال.

ومع تقدم القراءة يكتشف المرء أن المؤلف لا ينظر إلى المأتم الحسيني بوصفه مجلسًا للبكاء فحسب، بل يعدّه مدرسة لتجديد الوعي. فالمجالس الحسينية في نظره تحفظ سيرة الإمام الحسين (عليه السلام)، وتنقل قيمه من جيل إلى آخر، وتُبقي قضية الإصلاح حية في ضمير الأمة. لذلك يربط بين إحياء الذكرى وبين بناء الإنسان الصالح، ويجعل من المأتم وسيلة لترسيخ مبادئ التضحية والعدل والكرامة، لا مجرد استذكار لحادثة تاريخية.

ويبرز في ثنايا الكتاب اهتمام السيد شرف الدين بالبعد الإنساني لنهضة الإمام الحسين (عليه السلام). فهو يرى أن الحسين ليس رمزًا لفئة بعينها، وإنما شخصية تجاوزت حدود الانتماءات الضيقة، لأن ثورته قامت دفاعًا عن القيم التي تحتاجها الإنسانية في كل زمان، كالحرية والعدالة ورفض الظلم. ولهذا يؤكد أن التعريف بالحسين ومبادئه ينبغي أن يكون خطابًا جامعًا يلامس وجدان الإنسان قبل أن يخاطب انتماءه المذهبي.

ومن الجوانب التي تستحق التوقف عندها أن الكتاب يجمع بين قوة الدليل وجمال الأسلوب. فالقارئ لا يشعر بأنه أمام بحث فقهي جاف، ولا أمام موعظة عاطفية، بل أمام عالم يمتلك قدرة واضحة على الموازنة بين النص والتحليل، وبين الرواية والاستنتاج، فينتقل من فكرة إلى أخرى بسلاسة تجعل متابعة الكتاب ممتعة، حتى لمن لا يملك تخصصًا في الدراسات الدينية.

ومن الأمور التي تضفي على هذا الكتاب قيمة خاصة أن النسخة المطبوعة ليست إلا المقدمة الباقية من مشروع علمي كبير للمؤلف حمل عنوان «المجالس الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة»، وهو كتاب ضخم فقد معظمه بعدما أُحرقت مخطوطاته خلال الاحتلال الفرنسي، ولم يبق منه سوى هذه المقدمة التي حُققت ونُشرت مستقلة بعنوان «المأتم الحسيني.. مشروعيته وأسراره». وهذه الحقيقة تجعل القارئ يشعر أنه أمام أثر علمي نجا من الضياع، وحافظ على شيء من فكر صاحبه ومنهجه.

وبعد الفراغ من الكتاب، لا يخرج القارئ بانطباع أنه قرأ دفاعًا عن شعيرة دينية فحسب، بل يشعر أنه قرأ دعوة إلى فهم أعمق لمعنى إحياء ذكرى الإمام الحسين (عليه السلام)، ودورها في صناعة الوعي وإحياء الضمير. وقد نجح السيد عبد الحسين شرف الدين في أن يجعل من هذا الكتاب رسالة هادئة، تقوم على الحجة أكثر من الجدل، وعلى المعرفة أكثر من الخطابة، ولذلك بقي من الكتب التي تستحق العودة إليها كلما أُريد الحديث عن فلسفة المأتم الحسيني ومكانته في الفكر الإسلامي.

 

المأتم_الحسيني.pdf

تحميل الملف