من وهج كربلاء ...إلى الواقع قراءة في مشروع الإصلاح الحسيني(١)

 الإصلاحُ لغةً:

الإصلاحُ: مصدَرُ أصلَح؛ يُقالُ: صلَح يصلُحُ ويَصلَحُ صلاحًا وصُلوحًا. والصَّلاحُ: ضدُّ الفسادِ، والإصلاحُ نقيضُ الإفسادِ، وهو يدُلُّ على إزالةِ الفسادِ. وأصلَح الدَّابَّةَ: أحسَن إليها فصلَحَت.
وأصلَح الشَّيءَ بَعدَ فسادِه: أقامه. وأصلَح ما بَينَهم وصالَحهم مُصالَحةً.
الإصلاحُ اصطِلاحًا:
هو التَّغييرُ إلى استِقامةِ الحالِ.
أو: هو إزالةُ الخَللِ والفسادِ الطارِئِ على الشَّيءِ  . ومنه: الإصلاحُ بَينَ النَّاسِ، أي: إزالةُ ما كان بَينَهم مِن عَداوةٍ وشِقاقٍ.(١)

الإصلاحُ في ثورة الإمام الحسين( عليه السلام) كيف بدأتْ وإلى أينَ انتشرتْ ولماذا استمرَّتْ؟نلخصُها بثلاثة محاور:
المحور الأول:نفحاتٌ حسينيةٌ في إصلاحِ النَّفسِ ورفضِ الظّلمِ
عاشوراءُالحسين(ع)ليستْ ذكرى عابرةً تمرُّ علينا كلَّ سنةٍ، بل مدرسةُ إصلاحٍ وكرامةٍ وصبرٍ وتضحيةٍ وقيمٍ سماويةٍ،ولم ينطفئْ وههجُها، فمازال يلسعُ الضمائرَ النائمةَ لكنّهُ لايجدُ حطباً يشتعلُ فيه؛لانَّ بعضاً حولها ذكرى ،والحسين أرادها مشروعاً.
فالإصلاحُ- كمنهجٍ عام -رسالةُ كلِّ الأنبياء (عليهم السلام )،والحسينُ( عليه السلام)كانَ إمتداداً لخطِ الانبياء (عليهم السلام )في الإصلاحِ، فهوخرجَ بنفسِ الكلمةِوبنفسِ النِّيةِوبنفسِ الإستعانةِ بالله (تعالى)...
والإصلاحُ ليس ثورةًفقط،وإنَّما تكليفٌ إلهيّ...
قال الحسين( عليه السلام) قبلَ خروجه من المدينةِ متوجهاً إلى كربلاء قال:
 إني لم أخرجْ أشراً ولا بطراً ولا مُفسداً ولا ظالِماً، وإنّما خرجتُ لطلبِ الإصلاحِ في أمةِ جدي محمد(صلى الله عليه وآله) أريدُ أنْ آمرَ بالمعروفِ وأنهي عن المُنكر"(٢)
فالإصلاحُ عندَهُ كان النيةَوالمنهجَ والهدفَ،
والإصلاحُ هي الكلمةُ التي قُتِل من أجلها الحسين، فهو لم يحملْْ سيفاًفحسبُ، بل حملَ رسالةً ،ولم يطلبْ مُلكاً،ولاثأراً قديماًولاسلطةً أو دنيا فانيةً،بل خرجَ يحملُ على كتفيهِ رسالةً سماويةً، خرج من أجلِ موقفٍ لإقامةِ الحقِّ والعدلِ ؛لانَّ البيعةَ بالغصبِ صارتْ دِيناً، والظلمَ أصبحَ قانوناً ،والسكوتَ عن الحقِّ غدا حكمةً، والحقَّ باتَ يُشترى.
لذا الإصلاحُ عندَ الحسين لم يكنْ شعاراً بل كانَ ثمنُهُ دمَهُ ودمَ أطفالِهِ وأهلِهِ وسبي نسائِهِ مع ذلك لن يتراجعَ  مهما كلّفهُ الثمنُ، وكان جوابه: (هيهاتُ منا الذّلة )وأنَّ الكلمةَ وحدها لاتكفي، والموقفُ أبلغُ من ألفِ خطبةٍ، فأختارَ الحسينُ( عليه السلام )أنْ يكتبَ الإصلاحَ بدمِهِ على رمالِ كربلاءَ ،حتى يظلَّ السؤالُ حياً ،يوقدُ ضميرَ كلِّ انسانٍ حيّ إلى يومنا هذا...
فقضيةُ الحسين (عليه السلام)اليومَ تبدأ من هنا من نفسي ونفسك ونقولُ :هل نحنُ مستعدونَ أنْ نُغيرَ مابأنفُسِنا؟

إذن، إبدأْ بنفسِك قبلَ أنْ تُطالبَ غيرك بالإصلاحِ، فإنَّ المعركةَ الأولى والأخيرة هي معركةُ النَّفسِ وتهذيبُها وترويضُها على الحلمِ والصبرِوكبحِ الشهوات،
فالمبدأُ قبلَ المصلحةِ،(فمثلي لايُبايعُ مثلهُ )هو دستورُ الحُسين (عليه السلام) في الإصلاحِ،فقد رفضَ الحسينُ (عليه السلام) المبايعةَ ؛لانّهُ رفضَ مصلحتهُ وأختارَالمبدأَ وهو الإصلاحُ، وأنتَ يامنْ تقرأُحروفي أينَ تضعُ مصلحتَكَ؟
فلا يمكنُ أنْ تُطالبَ بعدالةِ السَّماءِ وأنتَ ظالمٌ لنفسِك ، قال تعالى: وهو يضعُ قانونَ التغييرِ الذي لا يتبدلُ:إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ" {الرعد:11}.(٣)
فالتغييرُ يبدأُ من الداخلِ أولاً، والناسُ لاتتّبعُ منْ يتكلمُ فقط ،بل تتّبعُ منْ إذا سكتَتْ أفعالُهُ نطقتْ سيرتُهُ، والحسينُ رفضَ بيعةَ يزيد الظالم وأختارَمبدأ الإصلاحِ.
الاصلاحُ الذي خرجَ من أجلهِ (عليه السلام) لم يمتْ،بل صارَ ميراثاً لنا إلى يومنا هذا ، وكلنا لديه يزيدٌ داخلي يجبُ التخلصُ منهُ،فأولُ حطبٍ يشعلُهُ هو نفسُهُ التي تصالحتْ مع يزيد الداخلي فيتحرّرُمنها ويخلصُها من كلِّ شهوةٍ ،كذبةٍ، حقدٍ، كسلٍ ، ويرفضُ الرشوةَ ولا يغشُّ بعملِهِ ولايسكتُ على الظَّالمِ ،ولايبررُله حتى لو كانَ قريباً، ولايكونُ له عوناً على المظلومِ، ويصلحُ مافسدَ في نفسهِ ثُمَّ يصلحُ من حولهِ، فهذهِ هي البيعةُ المطلوبةُ من الإنسانِ كلّ يومٍ ،يتحمّلُ مسؤوليةَ نفسِهِ ،وقبلَ أنْ يقولَ: النَّاس فسدت، يسألُ نفسَهُ: هل أنا صادقٌ معها؟ بارٌ بوالديّ، أمينٌ في عملي ومعَ النَّاسِ؟أعتذرُ وأنا مُسيئٌ ،أقولُ الصدقَ ولو على نفسِي... وتذكرْ"مثلي لايبايعُ مثله" حتى لو كانَ هذا المثلُ ضعفك وخوفك وهواك فلا تبايعُهُ.
لذلك كنْ قوياًمن الداخلِ رافضاً لكلِّ نقيصةٍ، وارفضْ الخنوعَ والغشَ وكلَّ ما يوهنُ النَّفس ،وأقبلْ على كلِّ فعلٍ يرفعُ من همةِ نفسِك ويُرقيكَ في درجاتِ الكمالِ ،لتكونَ حقاً على خطى الحسين (عليه السلام) في مدرستِهِ الإصلاحية.
قال أمير المؤمنين( عليه السلام):
"مَنْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِلنَّاسِ إِمَاماً فَلْيَبْدَأْ بِتَعْلِيمِ نَفْسِهِ قَبْلَ تَعْلِيمِ غَيْرِهِ، وَ لْيَكُنْ تَأْدِيبُهُ بِسِيرَتِهِ قَبْلَ تَأْدِيبِهِ بِلِسَانِهِ، وَ مُعَلِّمُ نَفْسِهِ وَ مُؤَدِّبُهَا أَحَقُّ بِالْإِجْلَالِ مِنْ مُعَلِّمِ النَّاسِ وَ مُؤَدِّبِهِمْ(٤)
فالحسينُ كان التطبيقَ الأمثلَ للآيةِالكريمةِ:
"إنَّ اللهَ لايُغَيِّرُ مَابِقَوْمٍ حَتى يُغَيِّرُوامَابِأنفُسِهِمْ"{الرعد:١١}.
ولقولِ أمير المؤمنين ( عليه السلام) فهو لم يخرجْ من المدينةِ ليصلحَ النَّاسَ قبلَ أنْ يصلحَ نفسَهُ ،بل زكاها حتى بلغتْ مقاماًسامياً،فصارَ الموتُ في عينيهِ أحلى من العسلِ ؛لانّهُ رأى فيه حياةَ القيمِ والمبادئ الساميةِ وحماية دينِ الله (تعالى)،ولهذا وقفَ يومَ عاشوراءَ ليُعلنَ دستور الأحراربقولهِ :ألا وإن الدعيَّ ابْن الدعيّ قدْ ركزَ بين اثنتينِ: بينَ السّلةِ والذّلةِ، وهيهاتُ منا الذلة"(٥)
لقد رفضَ الحُسينُ( عليه السلام) بيعةَ الذّلِ ليزيدِ بن معاوية ليزيدِ النّفس والهوى والخوفِ والطمع والفسادِ، فكانَ حُرّاً قبل أنْ يطلبَ من الأمةِ أنْ تتحرّرَ.
فيا منْ تبكي الحسينَ( عليه السلام) قفْ معَ نفسِك أولاً ،فقصةُ الحسينِ (عليه السلام) اليومَ لاتبدأ من المنبرِ، ولا من الشارعِ ،تبدأ من المرآةِ عندما تنظرُ في نفسِكَ بصدقِ الحسين( عليه السلام) وتسألُ نفسك: هل أُبايعُ يزيد الذي في داخلي كلّ يومٍ؟
هل أسكتُ عن منكرٍ في سلوكي خوفاً على مصلحتي، فالحسينُ( عليه السلام) استشهدَ؛ ليقولَ لنا غيرْ مابنفسِكَ ،ارفضْ الذّلَ ،وزكِّ نفسَك وقلْ: هل أنا أُزكي نفسي أم أدسّيها؟
قال تعالى:قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا•وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا"الشمس:{ ٩-١٠).(٦)
فكلُّ (لا)تقولها للباطلِ بداخلِكَ هي تزكيةٌ، وكلُّ (نعم) تقولها للحرامِ هي دسٌّ.
وأسألْ نفسَك: هل أناأستحقُ أنْ أكونَ من أنصارِ الحسين( عليه السلام)؟
فأنصارهُ كانوا قلةً، لكنهم كانوازيناً" له،
فهل أنازينٌ" للحسين بأمانتي وصدقي، أمْشينٌ" عليه بكذبي وظلمي؟
 جاءَ في وصية الإمام الصادق( عليه السلام) لأحد أصحابه قال:" كونُوا لنا زيناًولا تكونُوا علينا شيناً، حبّبونا إلى النَّاسِ ولا تبغضُونا إليهم فجرّوا إلينا كلَّ مودةٍ، وادفعُوا عنا كلَّ شرٍ"(٧)
فإلتزامُك بالحسين (عليه السلام)يتبيّنُ في أخلاقِك وصدقِك وأمانتِك وعفتِك وعدلِك مع أهلِك والنّاسِ،
فلايمكنُ  أنْ نرفعَ شعارَ الإصلاح ونحنُ فاسدونَ، ولاأنْ تهتُفَ: (هيهاتُ منا الذّلة)ونحنُ أذلاءُ أمامَ غضبِنا وكسلِنا ومصلحتِنا ،فالحسينُ أُستشهد؛ ليهزَ الأنفسَ النائمةَ لا ليجمعَ الجموعَ النائحةَ، أُستشهدَ ليقولَ لنا: إنَّ طريقَ الإصلاحِ يبدأُ بخطوةٍ واحدةٍ هي: أنْ ننتصرَ في كربلائنا الصغيرة في دواخلناقبلَ أنْ نطالبَ بالإنتصارِ في كربلائنا الكبرى خارجنا.

مصادر المحور الأول
 ١-((الصحاح)) للجوهري (1/384)، ((المحكم)) لابن سيده (3/152)، ((لسان العرب)) لابن منظور (2/516-517).
 يُنظر: ((التبيان في تفسير غريب القرآن)) لابن الهائم (ص: 51).
((الفقه على المذاهب الأربعة)) للجزيري (5/213).
 يُنظر: ((معجم اللغة العربية المعاصرة)) لأحمد مختار (2/1312).
٢-بحار الأنوار (ج 44 صفحة 329).
٣-القرآن الكريم (سورة الرعد:11).
٤-نهج البلاغة( حكمة:73).
٥-اللهوف في قتلى الطفوف لابن طاووس/ ص59.
٦-القرآن الكريم( الشمس: 9-10).
٧-وسائل الشيعة الإسلامية الحر العاملين ج/8ص400.

✦ كتابات في الميزان ✦

يؤكد المقال أن الإصلاح الذي نهض من أجله الإمام الحسين (عليه السلام) يبدأ بإصلاح النفس قبل إصلاح المجتمع، فالثورة الحسينية كانت مشروعًا أخلاقيًا وقيميًا قبل أن تكون مواجهةً للظلم. ويربط الكاتب بين تزكية النفس ورفض الهوى والفساد، مبينًا أن نصرة الحسين اليوم تتجسد في الصدق والأمانة والعدل ومقاومة المنكر في السلوك اليومي، ليكون الإنسان زينًا لأهل البيت (عليهم السلام) وسائرًا على نهجهم الإصلاحي.

الحسين.jpg