وأنا بنجاتكم زعيم

{وأنا بنجاتكم زعيم}
« مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ اَلْحُسَيْنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ بَزِيعٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اَلْمَلِكِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ قَالَ: تَزَاوَرُوا فَإِنَّ فِي زِيَارَتِكُمْ إِحْيَاءً لِقُلُوبِكُمْ وَ ذِكْراً لِأَحَادِيثِنَا وَ أَحَادِيثُنَا تُعَطِّفُ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فَإِنْ أَخَذْتُمْ بِهَا رَشَدْتُمْ وَ نَجَوْتُمْ وَ إِنْ تَرَكْتُمُوهَا ضَلَلْتُمْ وَ هَلَكْتُمْ فَخُذُوا بِهَا وَ أَنَا بِنَجَاتِكُمْ زَعِيمٌ».
الكافي المجلد الثاني الصفحة ١٨٦.
بعد إذن سيدي ومولاي كتبتُ في السابع عشر من شهر ذي الحجة الحرام ١٤٤٧.
بيان اللغة
(زعيم) صيغة مبالغة على وزن (فعيل) مأخوذ من مادة(ز ع م) وهو لفظ له أكثر من معنى مختلف، لكن (زعيم) يُقصد به هنا الضمين أو الكفيل، ففي مقام هذا الحديث الشريف يكون المراد ضامن وضمين لنجاتكم.

دعوة صريحة من لدن الإمام الصادق عليه السلام ليس فيها أي لبس من خلال تقديمه هذا الضمان المعصومي العظيم بِحَثِ المؤمنين على التزاور الذي يوجب إحياء قلوب المتزاورين الذين يحرصون على تذاكر أحاديثهم عليهم السلام التي تضمن حصول العطف بين قلوبهم تحقيقا للرشد إن عملوا بها ،مما يعني أن هذه الأحاديث ميسورٌ لهم فهمها والعمل بها من دون واسطة،فهذ الإمام الكريم لم يقل لهم ارجعوا الى واحد منكم يعلّمكم أحاديثنا ويفك رموزها، فبمجرد أن تأخذوا بها مجتمعين،فإنكم تكونوا راشدين وتتكفل هي بنجاتكم، لا الرجال الذين يقولون أنهم هم من يفعل ذلك لكم.

ويلاحظ أن هذا الحديث لم يتوجّه إلى الأصحاب الذين نقلوه وحسب؛ بل يمتد ليشمل جميع من يأتي بعدهم في الأزمنة اللاحقة، من أبيض وأسود ومن حر ومملوك من الرجال والنساء والشاهد والغايب والحاضر والبادي والعربي والأعجمي،والذي ولد والذي لم يولد،كما أن هذا الضمان يكون في الاخرة مثلما يكون في الدنيا.
وهذا التزاور يفسر ما جاء في التوقيع الشريف الذي يكون نافعا زمان الغيبة التامة،امتدادا لما كان في زمان الحضور الشريف : «وَ أَمَّا اَلْحَوَادِثُ اَلْوَاقِعَةُ فَارْجِعُوا فِيهَا إِلَى رُوَاةِ حَدِيثِنَا فَإِنَّهُمْ حُجَّتِي عَلَيْكُمْ وَ أَنَا حُجَّةُ اَللَّهِ». (الاحتجاج الجزء الثاني صفحة ٦٦٩).
فهذه الكنوز المعصومية المباركة مودعة عند رواة الأحاديث الأمناء على حفظها ولهم الحجية على الشيعة من جهة صدقهم بنقلها لهم.
وما جاء في الكافي المجلد الأول الصفحة ٦٩،وما فيه من الحث على حفظ الأحاديث بطريقة أخرى:
« اَلْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ اَلْأَشْعَرِيُّ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُمْهُورٍ عَنْ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نَجْرَانَ عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ قَالَ: مَنْ حَفِظَ مِنْ أَحَادِيثِنَا أَرْبَعِينَ حَدِيثاً بَعَثَهُ اَللَّهُ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ عَالِماً فَقِيهاً».
ولهذا نجد أن إمامنا الصادق عليه السلام يُحذّر أصحابه من تضييع هذه الأحاديث وعدم التفقه بها بقوله لبشير الدهان، كما جاء في المجلد الأول من الكافي الصفحة ٣٣:
«أَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ إِدْرِيسَ بْنِ اَلْحَسَنِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ اَلْكِنْدِيِّ عَنْ بَشِيرٍ اَلدَّهَّانِ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ : لاَ خَيْرَ فِيمَنْ لاَ يَتَفَقَّهُ مِنْ أَصْحَابِنَا يَا بَشِيرُ إِنَّ اَلرَّجُلَ مِنْهُمْ إِذَا لَمْ يَسْتَغْنِ بِفِقْهِهِ اِحْتَاجَ إِلَيْهِمْ فَإِذَا اِحْتَاجَ إِلَيْهِمْ أَدْخَلُوهُ فِي بَابِ ضَلاَلَتِهِمْ وَ هُوَ لاَ يَعْلَمُ» .
والأحاديث في هذا الباب كثيرة جداّ،يسهل الرجوع إليها للعمل بها، وإن تنوعت ألفاظها ومحتوياتها، لكن مضمونها واحد.
هذا ويحلو لكل رئيس وكل متسلط فرعون منذ الأزمنة المتقدمة وإلى زماننا هذا أن يدّعي ما يشبه هذا الضمان لنفسه.
فهذا فرعون مصر يقول للأقباط:وَ قالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَ إِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ.
وهذا الخطاب الفرعوني تبناه السلاطين الذين جاؤوا بعد فرعون هذا أيضا، فصار كل متسلط يعلن لرعاياه أن غيره لم يقدر على ضمان سعادتهم كالذي يعلن عنه هو بهدف إطالة فترة تسلطه ورفاهيته ،لا لإسعاد الأتباع وتحقيق رفاهيتهم،ولكن على الرغم من ذلك فإن الناس الأتباع تُصَدّق بهذا الشكل من الخطاب تصديقا يصل بهم إلى عبادة صاحبه من دون المعبود الحق سبحانه وتعالى،فيأتمرون بأوامره وينتهون عن ما ينهى عنه، وهذا هو معنى العبادة.
ويسري هذا الموضوع إلى رؤساء التشكيلات الدينية عند النصارى واليهود وأهل قبلة المسلمين أيضا، ثم قادة الهيئات الاجتماعية ما يجعل الأتباع يلوذون بهؤلاء الرؤساء الجبابرة طمعاّ بالخلاص من العذاب،وحصول المزيد من المنافع لاعتقادهم بأن الله تعالى فوّض للرؤساء ضمان حصول السعادة للأتباع ودفع الضرر عنهم.
ولم تقف هذه المزاعم الكاذبة عند الرؤساء والكبراء وحسب، وإنما تمتد لتشمل أصحاب المهن كالطب والمحاماة والهندسة والكثير من أصحاب الحِرَف الأخرى،فترى هؤلاء يعلنون عن أعمالهم أنها تضمن سعادة الجمهور الذي يحصر اختياره لهم دون غيرهم، فهم يتحدثون عن أنفسهم أنهم الأفضل والأعلم والأجود والأمثل،ولقد أثبتت الوقايع أن هذا لا بد أن يكون من الكذب الذي يُقدمونه ويروّجون له،ولهذا تتنوّع أساليب الإعلان عن منتجاتهم وابتكارتهم وآرائهم،ولا يخفى احتواء هذه الأساليب على كذب وخداع وتضليل.
ولذا نجد أن (البشرية) تقع في دائرة الأزمات الكثيرة كلما ابتعدت عن اتباع المنهج الحق،وتُبدله باتباع طرق أخرى ،قال تعالى: وَ إِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَ قِثَّائِها وَ فُومِها وَ عَدَسِها وَ بَصَلِها قالَ أَ تَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَ الْمَسْكَنَةُ وَ باؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّـهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّـهِ وَ يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَ كانُوا يَعْتَدُونَ.

يخاطب إمامنا جعفر بن محمد عليهما السلام أصحابه خطاب الوالد الشفيق على أبنائه،تحصينا لهم من أن يقعوا في دائرة الكذب والخداع المفضي إلى الضلال،فهو عليه السلام يدعوهم ويحثهم على التزاور في ما بينهم،وهذا التزاور لم يكن غاية في حد ذاته،ما لم يحقق لهم إحياءَ قلوبهم الميتة من دونه من خلال مذاكرة أحاديثهم الشريفة التي توجب تُعَطِّفَ بعضهم على بعض،شريطة الأخذ بها والعمل عليها وصولا إلى الرشاد المؤدي إلى النجاة من الضَلال والهلاك بضمان وكفالة هذا الضامن الصادق العظيم صلوات الله عليه.

✦ كتابات في الميزان ✦

يتناول المقال دلالة قول الإمام الصادق (عليه السلام): «وأنا بنجاتكم زعيم»، مبينًا أن الضمان المعصوم بالنجاة يرتبط بالأخذ بأحاديث أهل البيت (عليهم السلام) والعمل بها، بعد التزاور وإحياء القلوب بتذاكر علومهم. كما يحذر من الانسياق وراء دعاوى الأشخاص الذين ينسبون لأنفسهم القدرة على ضمان الهداية أو السعادة بعيدًا عن المنهج المعصوم، مؤكدًا أن النجاة الحقيقية تكون بالتمسك بحديث أهل البيت والتفقه فيه، لا باتباع الأهواء أو الشخصيات.

 

وانا_بنجاتكم.jpg