ماذا لو رحل الغُصنُ الأخير…

شممتُ الرائحة… نعم، هي ما كنتُ أبحث عنه في ذلك المكان القديم.
كانت دليلي ومرشدي إلى عوالم الذكريات.
ابتسامة مشوبة بالترقُّب والشغف، ونظرة سريعة إلى الموجودات…
أدرتُ رأسي يمينًا وشمالًا، أطالع جدران المكان وأتفحّص أركانه، علّها ما زالت تحمل بعض الذكريات.
تمرّ القصص في مخيلتي وكأنها فيلم، فيه من الأحداث الدرامية ما فيه، تستعرض على دفعات متتالية.
كلُّ موطئٍ من ثنايا هذا المكان يحمل لي موقفًا وحكايةً من ذلك الزمان الجميل.
مرّت أكثر من خمسٍ وثلاثين سنة على تلك الحكايات، وهي تختبئ خلف جدران الذاكرة.
ويا لها من ذاكرة… تضع الحزن في أوّل الطابور دومًا.
لم يكن المكان كما هو، ولا كما تركته آخر مرة… الزمان أخذ منه ما أخذ، وكعادة كل شيء، تُبريه الهموم، وتُغيّره الأحزان، وتُنهكه النكبات.
تراكم الغبار، وعمت الفوضى، لم يعد يشعّ بذلك النور الذي اعتدتُ رؤيته، لم يُصدر إشارات البهجة، ولم يحتفل باللقاء…
رأيته مثقلًا بالفقد والرحيل.
لم يَشْكُ آلامه لي، ربما لأنه لم يتعرّف إليّ أصلًا.
كان جسدًا باليًا، هَرِمًا بلا قوة، فقد الكثير من أجزائه… لم يَذْبُل جماله بتقدُّم العمر، بل بفعل الأحزان وقسوة النكبات.
ومع ذلك، ما زال هناك ما يبعث فيه الحياة ليبقى… وتبقى معه الذكريات.
فبين هذا الصمت العميق، كان لا يزال هناك نبضٌ واحد يرفض أن ينطفئ: سيدة تجلس على أريكةٍ بسيطة، تحمل على كتفيها عبءَ الذكريات، وتُخبّئ بين تجاعيد وجهها كلَّ تفاصيل الزمان الجميل.
كانت هي الغُصنَ الأخير… وآخرَ ما تبقّى من تلك العائلة في هذا المكان.
ولأجلها، ما زال المكان يضجُّ بالأحداث والحكايات والذكريات، وما زال هذا المكان موجودًا.
يبعث عبير تلك السنوات، رائحةً ممزوجةً بلهفةٍ واستغاثة… ماذا لو رحل الغُصنُ الأخير؟
عبارة صغيرة تحمل في طيّاتها ألمًا وحسرةً وأسئلة تتوالى كأنها غيثٌ مستمر…
هل سيتهاوى المكان؟ أم ستختفي الحكايات كما اختفى أهلها؟ ويظل بلا نبض، مجرّد جدران بالية لا تصلح لشيء، فسيدة المنزل أمست آخر الحكاية… وبدونها كلُّ شيءٍ سينتهي… فمن ذا سيحفظ الحكايات إذا ما رحل الغُصنُ الأخير؟

الرحيل_بصمت.jpg