في سيرة ومسيرة الإمام علي بن الحسين السجاد (عليه السلام)، لا يسعنا إلا أن نستلهم ونلتمس معنى القيادة الرشيدة وطبيعة مسؤولياتها في المفهوم الإسلامي بأوج صورها، وأوضح معالمها، وأروع معانيها. لقد تجلى ذلك من خلال العطاء غير المحدود الذي تميزت به فترة إمامة هذا الإنسان العظيم، والذي استطاع أن ينهض بهذا الدور القيادي بالرغم من كل المآسي والمعاناة والألم الذي تكبّده في يوم عاشوراء بكربلاء، وما خلفته تلك الفاجعة من مصائب وآلام مريرة، وصولاً إلى فاجعة سبي "بنات الرسالة" بمعيته من كربلاء إلى الكوفة، ومن ثمّ إلى الشام.
إن هذه الفواجع والمصائب الصادمة بكافة مشاهدها المريرة، لم تجعل الإمام (عليه السلام) يتوانى لحظة عن أداء مهامه القيادية الرسالية في حفظ كيان الأمة، والتصدي لانحراف السلطة الأموية، والتأسيس لإعادة بناء المجتمع على ضوء المعاني السامية للإسلام على صعيد الشريعة والعقيدة والفكر والأخلاق، بعد أن شوّه بني أمية تلك المعالم وحرّفوها عن مقاصدها الأساسية في بناء الإنسان وصون كرامته.
تفكيك أسطورة "الاعتزال" وتجدُّد الحركة الرسالية
من رحم المأساة وقيد الأسر وشدة الحصار والعزلة انبثقت الحركة السجادية الاصلاحية التي استهدفت استنقاذ الدولة والمجتمع الاسلامي من الأزمات الخانقة المتلاحقة التي ورط بها بني أمية الكيان الاسلامي نتيجة السياسات الرعناء والممارسات الشعواء لملوكهم المتسلطين والتي اهلكت الحرث والنسل في مغامرات دموية سفك بها دماء سبط النبي الاكرم محمد (صلى الله عليه واله) الامام الحسين (عليه السلام) واله وصحبه، وأسرت وسبيت حرائر النبوّة وعقائل الرسالة من بلد الى بلد..
وسط كل هذه الفوضى والمحن نهض الامام السجاجيد (عليه السلام) لإكمال مسيرة رسالة الاسلام الإصلاحية التي انطلقت بحركة جده المصطفى (صلوات الله عليه واله) وتجددت بالنهضة الحسينية المباركة، ليكمل الامام السجاد (عليه السلام) هذه الحركة الرسالية بحنكة وحكمة واقتدار، ومن خلال أساليب ومواقف وقرارات كان لها أبلغ الأثر في بيان معالم تلك الحركة الإصلاحية المباركة التي نستعرض بعض فصولها المشرقة والمشرفة.
1. الشمولية القيادية
لقد كان الإمام السجاد (عليه السلام) مرجعية إسلامية عليا على جميع الأصعدة والمستويات، ومصداقاً حياً للوصف الدقيق والمعنى البليغ لشجرة النبوة والإمامة كما ورد على لسان الامام علي الهادي (عليه السلام) في (الزيارة الجامعة): "ساسة العباد وأركان البلاد".
فكان حراكه السياسي، والاجتماعي، والفكري، والأخلاقي، والاقتصادي من أهم معالم مرجعيته الشاملة.
هذه الشمولية في أدوار الأئمة المعصومين (عليهم السلام) تنسف تماماً نظرية "اعتزال العمل السياسي"، وهي النظرية التي يحاول الفكر والمنهج المتقاعس والتدجيني أن يلصقها بالأئمة لتبرير تقاعسهم وتنصلهم من المسؤولية والموقف. إنهم بذلك يسيئون إلى الأئمة الهداة، ويرسخون ثقافة مدرسة " السنة والجماعة " في بُعدها السلبي الاستسلامي الخانع والخاضع للحاكم (براً كان أو فاجراً) وهو ما يخالف صريح نصوص القرآن الكريم وسنة النبي الأكرم واله الأطهار (صلوات الله عليهم) والسيرة العقلائية.
2. السيادة الاقتصادية: إنقاذ الدولة من الهيمنة الرومانية
من أرفع معالم الحراك السياسي والوعي الاستراتيجي المسؤول للإمام السجاد (عليه السلام) في حياة الأمة، وفي ظل حصار السلطة الأموية ودكتاتوريها البشعة، هو دوره الكبير في إنقاذ الدولة الإسلامية من الهيمنة الاقتصادية للروم.
فحين واجهت الأمة أزمة النقد الشهيرة التي كادت أن تسقط الدولة اقتصادياً وتجعلها لقمة سائغة أمام الأعداء (وخصوصاً الرومان)، استطاع الإمام الحفاظ على كيان الأمة وإخراجها من أزمتها الخانقة عبر:
أ- رسم معالم الاستقلالية النقدية: وضع أسس النظم النقدية والمصرفية المستقلة وتحويلها إلى سيطرة السيادة الإسلامية.
ب- المبادرة الانقاذ التاريخية: وتمثلت بتقديم مقترح حاسم عبر ولده الإمام الباقر (عليه السلام) للحاكم الأموي، والمتمثل في سكّ عملة نقدية ذات صبغة ودلالات إسلامية خالصة.
لقد مثّلت هذه الخطوة صفعة مدوية لمشروع الدولة الرومانية وأهدافها الخبيثة في إخضاع أمة الإسلام عبر بوابة الاقتصاد والنقد.
3. الثورة الاجتماعية: تحطيم أركان العنصرية والنهج الشوفيني الجاهلي
وعلى الصعيد الاجتماعي، وجّه الإمام السجاد (عليه السلام) لطمة شديدة إلى ظاهرة "التعصب القومي" التي حفلت بها سيرة الأمويين.
فقد أحيا الأمويون المنهج الجاهلي القائم على احتقار القوميات الأخرى، والتعامل الدوني والعنصري مع الإنسان (من خلال النظر إلى الموالي والإماء باستعلاء وسلبهم حقوقهم الإنسانية).
وهو المنهج الشوفيني الاستعلائي الذي سار عليه الأمويون والعباسيون من بعدهم، مصورين أنفسهم بأنهم "شعب الله المختار" وأن ما دونهم عبيد وخدم.
كيف أجهض الإمام السجاد هذا النهج العنصري؟
تحرك الإمام (ع) عبر مسارين عمليين لإجهاض جذور هذا التعصب الجاهلي:
أولاً: المصاهرة التحررية: أقدم الإمام على التزوج من أمة (امرأة غير عربية) بعد أن أعتقها من العبودية لله تعالى، لينجب منها قادة وعظماء، ومنهم العالم الثائر المجاهد زيد الشهيد (رضوان الله عليه)، ليمزج الدم العربي بغير العربي في قمة الهرم القيادي لآل البيت.
ثانياً: صناعة الإنسان وتصدير الوعي: تمثلت خطوته الأخرى في شراء العبيد بكثرة، ثم تحريرهم بعد رعايتهم وتعليمهم أصول الثقافة والمعرفة الإسلامية (عقيدةً، وفقهاً، وأخلاقاً). ليتحول هؤلاء من مستعبَدين إلى قادة ومبلغين، يتم إرسالهم إلى بلدانهم في إفريقيا وآسيا لتحرير الشعوب ودعوتهم إلى التوحيد الخالص.
أسمى الأهداف الرسالية
إن هذا ليس إلا نزراً يسيراً من حراك ونشاط الإمام السجاد (عليه السلام)، والذي يبرز معالم مرجعيته السياسية الرصينة، وهي المرجعية التي أثمرت عن تحرير قرار الدولة، وتعزيز كرامة الإنسان، واستعادة حريته؛ وتلك لعمري هي أسمى الأهداف الرسالية للإسلام وقادته العظماء.
✦ كتابات في الميزان ✦
يقدّم المقال الإمام السجاد (عليه السلام) بوصفه قائدًا إصلاحيًا مارس دوره السياسي والاجتماعي والفكري رغم آثار مأساة كربلاء وشدة الحصار الأموي. ويبرز شمولية مرجعيته في مواجهة الانحراف، وحماية كيان الأمة، وترسيخ الاستقلال الاقتصادي، ومحاربة العنصرية والتمييز. ويخلص إلى أن حركة الإمام السجاد لم تكن اعتزالًا، بل مشروعًا هادئًا وعميقًا لإعادة بناء الإنسان والمجتمع وحفظ رسالة النهضة الحسينية.
