الصلاح والإصلاح التربوي في رسالة الحقوق للإمام السجاد عليه السلام -حقوق الجوارح- (٢)

     إنَّ من أهم التراث العظيم للإمام السجاد 'عليه السلام" هي رسالته المشهورة (رسالة الحقوق)، والتي تضمنت حقوقًا متعددة على العبد المؤمن، ومن أهم تلك الحقوق هي المتعلقة بالأعضاء التي أنعم الله تعالى بها على عبده.

ونحاول بيان دورها في الصلاح والإصلاح بما ورد في هذه الرسالة.
قال "عليه السلام" في بيان (حقوق الأعضاء)، حيث بيَّن حقوق سبعة أعضاء تحتاج إلى التأمل والتفكر في آثار صلاحها على تربية الفرد والمجتمع:
*أولًا/ وحق اللسان : 
((إكرامه عن الخَنى، وتعويده على الخير، وترك الفضول التي لا فائدة منها، والبر بالناس، وحسن القول فيهم)).
حيث ذكر الإمام "عليه السلام" حقوقًا (خمسة) تتعلق باللسان وهو:
١-  تطهيره عن الكلام الفاحش والبذيء وما في ذلك من تكريم للسان وصاحبه عن مثل نلك الرذيلة التي لا تليق به.
٢-  استعماله في الخير والكلام الطيب مثل الذكر والدعوة إلى الخير، وتدريبه على هذه الفضيلة.
٣-  أنْ لا يكون مهذارًا بكثرة الكلام فيما ينفعه ولا ينفعه، بل الكلام عند الضرورة، أو في موارد استعمال الخير والنطق بالحق، أو الدعوة إلى ما فيه الصلاح.
٤-  وللبر موارد متعددة ومنها ما يقوم به اللسان من الدعوة إليه بالنصيحة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتذكيرهم بما فيه صلاحهم.
٥-  تعويد اللسان وتدريبه على الكلام الطيب في بيان صفات الناس، والابتعاد عمَّا يسيء إليهم، من خلال الكلمات الطيبة المعهودة بينهم.
 والقرآن الكريم قد أكد على ضرورة حفظ اللسان وصيانته وتهذيبه، ومنها قوله تعالى: ((وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا)) [الإسراء: ٣٦].
وقال تعالى: ((مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) [ق: ١٨]

 *ثانيًا/ وحق السمع : 
((تنزيهه عن سماع الغِيبة، وسماع ما لا يحلُّ سماعه)).
حيث ذكر الإمام "عليه السلام" حقَّين تتعلق بالأذن وما يتم الاستماع إليه مما لا يجوز ذلك:
١-  تنزيهه وتطهيره من أعظم الأمراض القبيحة التي تتعلق بالغيبة خاصة، وبيان عيوب الناس، وعدم الاستماع إلى ذلك؛ لما فيه من صلاح للنفس.
٢-  الابتعاد عن الاستماع إلى المحرمات عامة مثل: الغناء، وقول الزور، والبهتان، والنميمة وغيرها مما يعدُّ أمراضًا تؤثر على الأخلاق.
 والقرآن الكريم قد أكد على ضرورة حفظ السمع وصيانته وتهذيبه، ومنها قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ)) [الحجرات: ١٢].
وقال تعالى في بيان ضرورة استثمار نعمة السمع في طاعته ورضوانه وما يؤدي إلى شكره: ((قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ)) [الملك: ٢٣]

*ثالثًا/ وحق البصر : 
((أنْ تغضَّهُ عمَّا لا يحلُّ لك، وتعتبر بالنظر به)).
حيث ذكر الإمام "عليه السلام" في ذلك حقَّين يتعلق بالعين وما يتم النظر إليه مما لا يجوز ذلك:
١-  تنزيهه عن النظر إلى ما حرَّم الله تعالى على عباده من المحرمات التي لا يمكن تجاوز حدودها، كالنظر إلى الأجانب بريبة وتلذذ، أو الصور المحرمة المتنوعة وغير ذلك.
٢- ضرورة الالتفات إلى هذه النعمة العظيمة حيث يرى الإنسان بها هذه الموجودات المختلفة الدالة على عظمة الخالق، وما في ذلك من آثار كبيرة للتأمل والتفكر.
 والقرآن الكريم قد أكد على ضرورة حفظ البصر وصيانته، ومنها قوله تعالى: ((قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ)) [النور: ٣٠-٣١].
وقال تعالى في بيان التأمل والتفكر: ((أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ)) [الغاشية: ١٧-٢٠]

( وللكلام بقية )

745bc2d9-afbb-44f5-90b7-821cdb82e9e2.jpg