قراءة في كتاب (الدكتور علي البهادلي.. بحوث ومقالات من قطاف الغربة ونبض السنين)

 صدر مؤخرًا، عن دار العارف،  كتاب (الدكتور علي البهادلي.. بحوث ومقالات من قطاف الغربة ونبض السنين)، وهو تعريف عام بالأكاديمي والأديب والناقد الراحل الدكتور علي البهادلي، الذي توفي غريبًا عن بلده العراق، في لبنان سنة ٢٠٠١. والكتاب من تقديم وتصنيف ومراجعة أخيه الوفي، الأستاذ الدكتور محمد باقر البهادلي، وجمع موادّه ووثّقها الأستاذ حيدر كاظم الجبوري.

اشتمل الكتاب على تقديمين للبهادلي والجبوري، وخمسة فصول هي إجمال عام لكتابات الراحل البهادلي، وملحق مصوّر.

جاء الفصل الأوّل عن ما يخص النجف الأشرف والمرجعية والحوزة والمراجع والفقهاء، وهو إسهام بارز للراحل البهادلي في التعريف بمدينة العلم والعلماء وطبيعة الحوزة العلمية ومناهج الدراسة فيها وكثير من القضايا المرتبطة، والتحديات التي واجهتها.

وتكفل الفصل الثاني بما يخص التاريخ وعدد من الشخصيات قديمًا وحديثًا، كالإمام علي والسيدة فاطمة الزهراء عليهما السلام. وتحدث عن مدينة مؤتة وعن شهدائها جعفر الطيار وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة. وشغلت ثورة العشرين حيّزًا جيدًا من هذا الفصل، الذي جاءت خاتمته عن المنتدى الثقافي العراقي في لبنان، الذي كان الراحل البهادلي يرأسه، وتميز بنشاطاته المتواصلة.

أما الفصل الثالث، فقد احتوى على كتابات البهادلي في ما يخص الأدب، مبتدئًا بتأملات في خطبة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله قبيل شهر رمضان المبارك، وعن الشاعر الجواهري والشاعر مصطفى جمال الدين، وعن أزمة الأدب الملتزم.

أما ما يتعلق بالسياسة، فقد نهض به الفصل الرابع، مسلطًا الضوء على أكراد العراق في الصراعات الدولية، ومبرزًا طبيعة الهجاء السياسي في شعر دعبل الخزاعي.

بينما حفل الفصل الخامس بقراءات الراحل البهادلي في الكتب والرسائل والأطاريح، متنقلًا فيها بين موضوعات متعددة، ما يكشف عن سعة اطلاع الراحل وموسوعيته.

والراحل البهادلي، رحمه الله، كان قد نشأ في بيئة مدينة النجف الأشرف، وما فيها من سمات وخصائص مؤثرة في أعلامها. وفي أسرة علمية، كما يقول شقيقه الدكتور محمد باقر البهادلي، عرفت بالفضل والأدب والتقوى، ولد الدكتور علي البهادلي عام (١٣٧٥ه- ١٩٥٥م)، من والدته العلوية الموسوية الفاضلة، وفي دار والده الشيخ أحمد البهادلي (الذي رحل إلى جوار ربه مؤخرًا) الواقعة على بعد بضعة عشرات من الأمتار عن حرم الإمام علي عليه السلام، في أحد أزقّة محلّة العمارة، التي كانت زاخرة بالبيوتات والأسر العلمية والأدبية. (ص١١).

غادر علي البهادلي العراق منذ تخرجه من كلية الفقه سنة ١٩٧٦، إلى دولة الكويت، بعد اشتداد ملاحقات السلطة آنذاك. وبعد وصوله الكويت، بدأ بالعمل في مجلة (صوت الخليج) محررًا بالقسم الثقافي، ثم بوظيفة إدارية بإحدى الشركات المساهمة الكبرى، حتى مغادرته الكويت عام (١٤٠٧- ١٩٨٧) إلى دول المغرب العربي، ثم يوغسلافيا، ثم إلى سوريا، ليستقر به المقام في لبنان، مواصلًا، في مستقره الأخير، كتاباته، وتدريساته، ودراسته الجامعية العليا، فحصل على شهادة الماجستير في الدراسات الإسلامية في جامعة الإمام الأوزاعي، عن رسالته الموسومة (الحوزة العلمية في النجف الأشرف، معالمها وحركاتها الإصلاحية (١٣٣٩ه- ١٤٠١ه/ ١٩٢٠م- ١٩٨٠م)، وكان ذلك عام (١٤١٢ه- ١٩٩٢م)، ونشرتها دار الزهراء في بيروت بكتاب عام (١٤١٣ه- ١٩٩٣م)، الذي يُعد من المراجع والمصادر الرئيسة لكل من يكتب عن النجف الأشرف أو الحوزة العلمية فيها. ص١٢-١٣ بتصرف).

وواصل الراحل البهادلي دراسته في مرحلة الدكتوراه في جامعة الإمام الأوزاعي نفسها، حتى كتب أطروحته (ولاية الفقيه، الجذر الفقهي والبعد السياسي)، وهو، بتعبير الدكتور محمد باقر البهادلي، موضوع شائك جدًّا في حينها، عالجه بمقاربات منهجية علمية رصينة، فيه الكثير من التأصيل الفكري والفقهي، فضلًا عن البعد السياسي، ما يغني المكتبة العلمية في هذا الشأن من الأبحاث. (ص١٤).

وكان علي البهادلي شاعرًا وأديبًا بارعًا وخاصة في بواكير شبابه، وإن كان اهتمامه بدراسته الأكاديمية وانشغالاته الفكرية، لاحقًا، قد أخذ جل وقته، من دون أن يخفت بريق الشعر والأدب والدراسات النقدية في عالمه الفكري العام.

قراءة_البهادلي.jpg