على أن يكون عبداً.. هل بايع الامام زين العابدين عليه السلام يزيد بن معاوية

بعد واقعة كربلاء الأليمة واخذ الإمام زين العابدين عليه السلام كأسير الى دمشق ولقاء يزيد بن معاوية ( لعنه الله ) في هذا اللقاء لم يأخذ يزيد البيعة من الإمام زين العابدين عليه السلام بل حاول إخراج الإمام عليه السلام وباقي الأسرى من دمشق بصورة سريعة حتى لا تثور الناس بعد أن عرفوا أن يزيد لعنه الله قد قتل الإمام الحسين عليه السلام أبن بنت رسول الله صلى الله عليه واله وهؤلاء الأسرى هم أهل بيت النبوة والرسالة ،هذا اللقاء تم في سنة 61 هجرية ، لقد حكم يزيد ثلاث سنوات وثمان اشهر ومات سنة 64 هجرية ( 1) ، ولم يحج يزيد بن معاوية في زمن حكمه بل كان حجه في سنة واحد وخمسين و اثنتين وخمسين وثلاث وخمسين (2) وهذا ما اتفقت عليه كتب السيرة والتاريخ ، ولا توجد عندنا اي رواية على بيعة الإمام زين العابدين عليه السلام ليزيد إلا رواية واحدة ، وهذه الرواية ينقلها صاحب كتاب روضة الكافي وهذا هو نص الرواية ( عن أبن محبوب ، عن أبي أيوب عن بريد بن معاوية قال : سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول : إن يزيد بن معاوية دخل المدينة وهو يريد الحج ، فبعث الى رجل من قريش ، فأتاه فقال له يزيد : أتقر لي أنك عبد لي ، إن شئت بعتك وإن شئت أسترّقيتك ؟ فقال له الرجل : والله يا يزيد ما أنت بأكرم مني في قريش حسباً ، ولا كان أبوك أفضل من أبي في الجاهلية والإسلام ، وما أنت بأفضل مني في الدين ، ولا بخير مني ، فكيف أٌقرّ لك بما سألت ؟ فقال له يزيد ، ،إن لم تقرّ لي والله قتلتك ، فقال له الرجل : ليس قتلك إياي بأعظم من قتلك الحسين بن علي عليهما السلام بن رسول الله صلى الله عليه واله ، فأمر به فقُتل ، ثم أرسل الى علي بن الحسين عليهما السلام فقال له مثل مقالته للقرشي ، فقال له علي بن الحسين عليهما السلام : أرأيت إن لم أقرّ لك أليس تقتلني كما قتلت الرجل بالأمس ؟ فقال له يزيد لعنه الله : بلى . فقال له علي بن الحسين عليهما السلام : قد أقررتُ لك بما سألت ، أنا عبد مُكره ، فإن شئت فأمسك ، وإن شئت فَبع . فقال له يزيد لعنه الله : أولى لك حقنتَ دمك ولم ينقصك ذلك من شرفك )( 3) ، هذه الرواية التي ذكرت هذا الحدث المهم عليها الكثير من علامات الاستفهام والإشكال التي تدحضها ولا تثبت أمامها .
الإشكال الأول : هو قدوم يزيد الى الحج في ايام حكمه لم يثبت قط لأن جميع المؤرخين يذكرون أن يزيد بن معاوية لم يأتي حاجاً في أيام حكمه وقد ذكرنا أعلاه السنوات التي حج بها يزيد لعنه الله وهي كانت الواحد والخمسين والاثنين والخمسين والثلاث والخمسين ولم يحج في سنيّن حكمه 61،62،63،64 هجري لأن في 61 هجري قتل الإمام الحسين عليه السلام وفي 63 هجري ثورة أهل المدينة ضده وخلعه من الخلافة و وحدوث وقعة الحرة و64 هجري سيطرة عبد الله بن الزبير على مكة وأرسل يزيد على مقاتلته وقد حرق جيشه الكعبة بالمنجنيق وفي هذه السنة مات يزيد في شهر ربيع الأول ( 4 ) ، أي أن يزيد لم يأتي للحج ايام حكمه ولم تحدث هذه المحاورة بينه وبين الإمام زين العابدين عليه السلام .
الإشكال الثاني : مضمون هذه الرواية يعطي صورة من الإذلال للإمام زين العابدين عليه السلام وخصوصاً هذه العبارة(أتقر لي أنك عبد لي ، إن شئت بعتك وإن شئت أسترّقيتك)  وهذا الإذلال لم يتقبله الرجل القرشي الذي ذكرته الرواية فقبل القتل ولم يقبل الذل والله سبحانه وتعالى لا يقبل للمؤمن الذل ، قال الله سبحانه وتعالى ( ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم )( 5) روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال ( أنه قال إن الله عز وجل فوض الى المؤمن أموره كلها ، ولم يفوض إليه أن يذل نفسه ، ألم تسمع لقول الله عز وجل ( ....ولله العزةُ ولرسوله وللمؤمنين )( 6  )، فالمؤمن ينبغي أن يكون عزيزاً ولا يكون ذليلا يعزهُ اللهُ بالإيمان والإسلام)( 7 )، قال الإمام علي عليه السلام (من تذلل لأبناء الدنيا تعرّى من لباس التقوى )( 8).
الإشكال الثالث : تصور الرواية على الإمام زين العابدين عليه السلام يخاف من القتل فقبل البيعة (فقال له علي بن الحسين عليهما السلام : أرأيت إن لم أقرّ لك أليس تقتلني كما قتلت الرجل بالأمس ؟ فقال له يزيد لعنه الله : بلى) ، ولكن الحقائق التاريخية أثبتت شجاعة الإمام زين العابدين عليه السلام وإنه لا يخاف القتل فقد واجهة طغاة عصره في قصورهم وبين جيوشهم وألقنهم دروس في الشجاعة والتضحية وهذه بعض الأمثلة :
المثال الاول :
لما أن أدخل علي بن الحسين عليه السلام وبنات الرسول صلى الله عليه واله على عبيد الله بن زياد التفت أبن زياد الى علي بن الحسين عليه السلام قال : أو لم ُيقتل علي بن الحسين قال : ذاك أخي وكان أكبر مني قتلتموه وأن له مطلاً منكم يوم القيامة ، قال أبن زياد ولكن الله قتله فقال علي بن الحسين عليه السلام ( الله يتوفى الأنفس حين موتها)( 9 ) فقال أبن زياد : ألك جرأة على جوابي أذهبوا به فأضربوا عنقه .. فتعلقت به زينب عليها السلام وقالت يا أبن زياد حسبك من دمائنا فقال علي بن الحسين عليه السلام لعمته أسكتي حتى أكلمه ثم أقبل على بن زياد فقال : أبالقتل تهددني ؟ أما علمت أن القتل لنا عادة وكرامتنا من الله الشهادة ( 10)
المثال الثاني :
إنَّ يزيدَ قال لعليِّ بن الحسين (ع) في ذلك المحضر : أراد أبوك وجدُّك أنْ يكونا أميرين ، فالحمد لله الذي أذلَّهما وسفك دماءهما ، فقال له عليُّ بن الحسين (ع): يا بن معاويةَ وهندٍ وصخر لم يزالوا آبائي وأجدادي فيهم الإمرة من قبل أنْ تلد ، ولقد كان جدِّي علي بن أبي طالب يوم بدرٍ وأُحد والأحزاب في يده راية رسول الله (ص) وأبوك وجدُّك في أيديهما رايات الكفار .. ثم قال عليُّ بن الحسين : ويلك يا يزيد إنَّك لو تدري ما صنعتَ وما الذي ارتكبتَ من أبي وأهل بيتي وأخي وعمومتي إذاً لهربت في الجبال وفرشت الرماد ودعوتَ بالويل والثبور .. فأبشرْ بالخزي والندامة إذا جُمع الناس ليومٍ لا ريب فيه ( 11).
هذان المثالان يظهران الشجاعة الفائقة للإمام زين العابدين عليه السلام وعدم اكتراثه بالموت بل صرح امام الطغاة وهم في مراكز حكمهم وتحيط بهم حاشيتهم وقواتهم وجيوشهم بأن عادة اهل البيت الشهادة في سبيل أعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى في الأرض ، وهذان المثالان يتناقضان مع محتوى رواية البيعة اعلاه ؟؟؟؟؟
الإشكال الرابع : الإمام المعصوم عليه السلام يعلم متى يموت ومن يقتله وكيف يقتل وفي أي مكان يقتل ، وهذا المعتقد تُجمع عليه علماء الشيعة وقد أفرد الشيخ الكليني في أصول الكافي باباً بعنوان (إن الأئمة (عليهم السلام) يعلمون متى يموتون وإنهم لا يموتون إلا باختيار منهم ) (12) ، أي عندما هدد يزيد بن معاوية لعنه الله الإمام زين العابدين عليه السلام كان الإمام عليه السلام يعلم أنه لا يستطيع قتله فلماذا أستسلم له الامام عليه السلام وبايع أن يكون عبداً له  وهو يعلم ان تهديده مجرد كلمات فارغة لا يمكن تنفيذها ؟؟؟؟؟ .
الإشكال السادس : عندما لاحظ بعض الكتّاب إجماع المؤرخين عل عدم خروج يزيد بن معاوية من الشام وعدم حجه في فترة حكمه ، طرحوا أسم مسلم بن عقبة المري الذي قادة جيش الشام في معركة الحرة وأباح المدينة ثلاث ايام ، ولكن مضمون الرواية لا يتناسب مع مسلم ، لأن مسلم بن عقبة من بني مرة الذبياني الغطفاني  (13) و(مسلم أو يزيد) يتحدث مع رجل من قريش (فقال له الرجل : والله يا يزيد ما أنت بأكرم مني في قريش حسباً ، ولا كان أبوك أفضل من أبي في الجاهلية والإسلام) ، ومسلم بن عقبة لم يشترك في واقعة كربلاء والرجل في الرواية يذكر بأنه قتل الإمام الحسين عليه السلام (فقال له الرجل : ليس قتلك إياي بأعظم من قتلك الحسين بن علي عليهما السلام بن رسول الله صلى الله عليه واله) ، علماً أن اللقاء الوحيد الذي ألتقى به مسلم بن عقبة مع الإمام علي بن الحسين عليه السلام بعد واقعة الحرة ، وكيف أن هيبة الإمام عليه السلام قد أرعبت هذا المسرف المجرم وجعلته يستجيب لطلبات الإمام عليه السلام في العفو عن المطلوبين للحكومة الأموية وهذه بعض الروايات التي تبين ذلك ( كما ذكرها المسعودي في مروج الذهب : ونظر الناس الى علي بن الحسين السجاد وقد لاذ بالقبر وهو يدعو ، فأتى به الى الطاغية (مسرف) وهو مغتاظ منه ومن أبائه ، فلما رآه وقد أشرف عليه أرتعد وقام له وأقعده الى جانبه ، وقال له : سلني حوائجك ، لم يسأله في أحد ممن قُدّم الى السيف إلا شفَّعه فيه ثم أنصرف عنه ، فقيل لعلي : رأيناك تحرك شفتيك فما الذي قلت ؟ قال : قلت اللهم رب السماوات السبع وما أظللن والأرضيين السبع وما أقللن ، رب العرش العظيم رب محمد واله الطاهرين ، أعوذ بك من شره وأدرأ بك في نحره أسألك أن تؤتيني خيره وتكفيني شره )( 14)،  وقيل لمسلم بن عقبة : ( رأيناك تسب هذا الغلام وسلفه ، فلما أتى به إليك رفعت منزلته ؟ فقال : ما كان ذلك مني ، لقد مُلئ قلبي منه رعبا ) (15 )  ، وهذه الرواية تبين لقاء مسلم بن عقبة بالإمام زين العابدين عليه السلام وكيف أرتعب منه وقضى جميع طلبات الإمام عليه السلام ولم تذكر الرواية أن مسلم طلب من الأمام علي بن الحسين عليه السلام أن يعطي البيعة للطاغية يزيد ( وهذه الرواية تُنقَل بصوّر مختلفة ولكنها تحتوي على نفس المضمون )، ويعلل بعض الكتّاب التصرف المسالم من قبل مسلم للإمام زين العابدين عليه السلام نتيجة حماية الإمام عليه السلام لأهل بيت مروان بن الحكم عندما تخلى عنهم الجميع وأصبحوا بلا حامي ومدافع ولكن الإمام عليه السلام آواهم وحماهم ,ولكن حتى هذا الموقف من الإمام عليه السلام لم يؤثر بمروان بن الحكم ولم يغير قلبه اتجاه الإمام علي بن الحسين عليه السلام بل حاول أن يدفع مسلم بن عقبة لقتل الإمام عليه السلام ولكن القوة الربانية والهيبة المحمدية هي التي أرعبت مسلم بن عقبة المري كما تبين هذه الرواية (لما أخرج أهل المدينة واليها عثمان بن محمد كلَّم مروان بن الحكم أبن عمر أن يغيّب أهله عنده أبى بن عمر أن يفعل وكلّم علي بن الحسين ، وقال يا أبا الحسن إن لي رحماً وحرمي تكون من حرمك ؟ فقال : أفعل فبعث بحرمه الى علي بن الحسين ، فخرج بحرمه وحرم مروان حتى وضعهم بينبع ) ، (ولكن خبث وخيانة ودناءة مروان حكم لم تقدر موقف الإمام زين العابدين عليه السلام فلم تتعدى إلا بضعت ايام)  فلما دخل مسلم بن عقبة الى المدينة منتصراً ، فعندما أحضر بن عقبة الإمام علي بن الحسين عليه السلام وأخذ يشتم العترة النبوية ( عليهم السلام) أخذ مروان يؤمن على شتمه ويحرضه على قتله ، حتى إذا دخل الإمام علي بن الحسين عليه السلام وألقى على الطاغية هيبته والرعب منه غير مروان كلامه فأخذ يمدح الإمام عليه السلام ( 16) .
الإشكال السابع :
كلمات أبيه الإمام الحسين عليه السلام في يزيد بن معاوية لم يمضي عليها إلا زمناً قليل ، وبقت تصدح بصداها في زمان الحرية والكرامة الى اليوم حيث قال الإمام الحسين عليه السلام (..... إنا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة وبنا فتح الله وبنا ختم الله ، ويزيد رجل فاسق شارب الخمر قاتل النفس المحرمة معلن بالفسق ليس له هذه المنزلة ، ومثلي لا يبايع مثله ولكن نصبح وتصبحون وننظر وتنظرون أينا أحق بالخلافة)( 17) ، وفي يوم عاشوراء وجيش يزيد المدجج بالرجال والسلاح يحاصره صرخ أبا الأحرار عليه السلام ( لا والله لا أعطيكم بيدي عطاء الذليل ولا أقرّ أقرار العبيد ُثم نادى : يا عباد الله ( إني عُذتُ بربي وربكم أن ترجمون ) (أعوذ بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب) ( 18) .
هذه كلمات الإمام الحسين عليه السلام التي رفض بها البيعة والاعتراف بحكم الملعون يزيد وأستشهد هو وأبناءه وأخوته وأبناء عمه وأصحابه وأخذ نساءه ومعهم السيدة زينب عليها السلام والإمام علي بن الحسين عليه السلام أسرى الى مركز حكمه في دمشق من أجل هذا الموقف وهذه الكلمات  ، وتأتي هذه الرواية تنقل لنا  بيعة الإمام علي بن الحسين عليه السلام على أن يكون عبداً ليزيد ؟؟؟؟؟ ، وهذا يخالف العقل والمنطق بالإضافة الى الإشكالات الكثيرة التي أحاطت بهذه الرواية التي تريد أن تضع من مكانة الإمامة وتقلل من شأنها و بسبب تناقض الأدلة التي رافقت هذه الرواية وأهمها عدم وجود أي لقاء ما بين الإمام زين العابدين ويزيد عليه لعنه الله بالإضافة الى تعارض مضامين هذه الرواية مع القرآن والسنة وعقائد أهل البيت عليهم السلام ، فأن هذه الرواية لا يمكن الأخذ بها أو نقلها أو التحدث بها ، بل على العكس فأن الإمام علي بن الحسين عليه السلام لم يبايع يزيد وهذا ما أظهرته رواية لقاءه سلام الله عليه بيزيد بن معاوية لعنه الله في دمشق أيام أسره سلام الله عليه وكذلك لقاءه سلام الله عليه بمسلم بن عقبة في المدينة بعد واقعة الحرة.


(1) الثقات – بن حبان ج2 ص314(2) البداية والنهاية –ابن كثير ج 11ص644(3) الروضة من الكافي ص196 حديث 313(4) تاريخ الطبري ج4ص381، الكامل في التاريخ ج 4ص123، المستدرك على الصحيحين ج3ص550 ، تاريخ خليفة بن الخياط ص195، تاريخ مدينة دمشق- إبن عساكر ج14ص386 وغيرها كثير تروي ذلك (5) سورة الأعراف أية 157(6) سورة المنافقون  أية 8  (7) الكافي – الشيخ الكليني ج5 ص63(8) تحرير المواعظ العددية- علي المشكيني ج1ص123(9) سورة الزمر أية 42 (10) كتاب الفتوح – أبن أعثم الكوفي ج5 ص123، مقتل الخوارزمي – الخوارزمي ج2 ص52،بحار الأنوار – العلامة المجلسي ج5ص117(11) كتاب الفتوح – أبن أعثم الكوفي ج5ص132 ، بحار الأنوار – العلامة المجلسي ج45ص136 ، العوالم – هاشم البحراني ص436(12) أصول الكافي – الشيخ الكليني ج1ص258(13) تاريخ دمشق- أبن عساكر ج31ص 1-37 ،  الإصابة في تمييز الصحابة - أبن حجر العسقلاني – ويكيبيديا(14) مروج الذهب – المسعودي ج3 ص69 ، الإمام زين العابدين ، علي بن الحسين – الشيخ مهدي الآصفي ج1ص30(15) مروج الذهب – المسعودي ج 3ص70، كتاب الإمام زين العابدين ، علي بن الحسين صفحة من دوره الثقافي وجهاده السياسي – الشيخ محمد مهدي الآصفي ج1ص31(16) تاريخ الطبري-الطبري ج4ص372(17) الملهوف على قتلى الطفوف – السيد بن طاووس ج1ص98(18) أعلام الورى بأعلام الهدى – الشيخ الفضل بن الحسن الطبرسي ج1ص376.

رواية.jpg