لم ينفرد الطبري بنقل المقتل برواية أبي مخنف ، وإنما روى عنه الشيخ المفيد رحمه الله في كتابه الإرشاد ايضاً ، غير أن الطبري أقدم طبقةً من المفيد ( ت ٤١٣ هج ) وأقرب الى أبي مخنف منه .
وما يميّز الشيخ المفيد في كتابه الإرشاد أنه نقل مقتل الإمام الحسين عليه السلام عبر طرق وأسانيد أخرى لأبي مخنف ، متضمنةً تفاصيل وإضافات لم يذكرها الطبري في تاريخه . مثل :
١. تفاصيل قتال ومقتل العباس بن علي (ع)
رواية الطبري : يذكر الطبري رواية مقتضبة جداً عن مقتل ابي الفضل العباس عليه السلام ، حيث يشير إلى أنه ذهب لجلب الماء ، فحال الأعداء بينهما ، فقاتل العباس حتى قُتل في ذلك الموضع ولم يفرد لقتاله تفاصيل مطولة .
بينما في رواية الشيخ المفيد عن أبي مخنف تفاصيل حوارية وملحمية أوسع ، حيث تفيد بأن العباس وأخوته ( عبد الله ، جعفر ، وعثمان ) قد رفضووا عروض الأمان من شمر بن ذي الجوشن لعنه الله ، وفصّل في كيفية تفرق الأعداء عن الحسين والعباس ، وانفراد الأخير بالقتال حتى قُطعت يداه واستُشهد عند مشرعة الفرات .
٢. خطب الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه والأبعاد العقائدية
فقد ركّز الشيخ المفيد في منقولاته على الخطب ذات البُعد الروحي والعقائدي البارز ، مثل إبراز الوصايا المباشرة من الإمام الحسين عليه السلام لنساء بيته ( زينب وأم كلثوم ) بالصبر وعدم شق الجيوب بعد مقتله ، وهو ما صاغه المفيد بعبارات تفصيلية غابت عن سياق الطبري الذي يميل إلى إيراد الخطب السياسية والاحتجاجية العامة ( مثل التذكير بكتب أهل الكوفة والعهود ) ، متجنباً التوسع في التفاصيل الوجدانية أو الشعائرية الخاصة بأهل البيت .
٣. تفاصيل قتال وإبراز بطولات بعض المقاتلين من بني هاشم والأصحاب .
● مقتل القاسم بن الحسن : نقل المفيد تفاصيل دقيقة عن هيئة القاسم ( أنه غلام صغير انقطع شسع نعله اليسرى ) ، وكيفية التفاف الأعداء حوله وحواره الأخير مع عمه الحسين عليه السلام حين انقض كالصقر لإنقاذه ، بينما أوردها الطبري برواية أقل تفصيلاً في الحوار والمشهد الوجداني .
● مقتل علي الأكبر : زاد الشيخ المفيد تفاصيل حاسمة في تبيان مرتبة علي الأكبر وشبهه بالرسول (ص) عند خروجه للميدان ، ودعاء الحسين على القوم عند بروزه ، وهي تفاصيل نقلها المفيد عبر نسخته الروائية لأبي مخنف ولم يُثبتها الطبري بذات السياق المفجع .
٤. حوادث ما بعد المعركة ومصير الرؤوس والسبايا .
● رواية الشيخ المفيد : تفرّد بنقل حوارات تفصيلية جرت في مجلس عبيد الله بن زياد في الكوفة ، ومجلس يزيد بن معاوية في الشام ، مركّزاً على ردود السيدة زينب (ع) والإمام زين العابدين (ع) ، مع تفصيل المسير التاريخي للسبايا ومواقف التحدي الهاشمي في مجالس الطغاة .
● رواية الطبري : اختصر الطبري الكثير من حوارات النساء في مجالس الكوفة والشام ، وركز بشكل أكبر على المسائل السياسية وتوزيع الرؤوس على القبائل كأعراف تاريخية .
هذه إطلالة سريعة على أهمّ مؤرخ لمقتل أبي عبد الله الحسين عليه السلام ..
✦ كتابات في الميزان ✦
يتناول المقال مقارنةً بين روايتي الطبري والشيخ المفيد لمقتل الإمام الحسين (عليه السلام)، مبينًا أن المفيد نقل عن أبي مخنف بتفاصيل أوسع وأعمق، ولا سيما في مواقف أهل البيت (عليهم السلام) وأصحاب الإمام، وما جرى بعد واقعة الطف. كما يسلط الضوء على الفروق في المنهج التاريخي، إذ ركز الطبري على السرد العام، بينما أبرز المفيد الأبعاد العقائدية والوجدانية والبطولية للنهضة الحسينية.
