الصلاح والإصلاح التربوي في رسالة الحقوق للإمام السجاد عليه السلام -حق الأب-

 قال الإمام السجاد "عليه السلام" في بيان حق الأب:
((وَأمَّا حَقُّ أَبيكَ فَتَعْلَمَ أنَّهُ أَصْلُكَ، وَأنَّكَ فَرْعُهُ، وَأَنَّكَ لَوْلاهُ لَمْ تَكُنْ، فَمَهْمَا رَأيْتَ فِي نفْسِكَ مِمَّا يُعْجِبُكَ فَاعْلَمْ أَنَّ أَبَاكَ أَصْلُ النِّعْمَةِ عَلَيْكَ فِيهِ، وَاحْمَدِ اللَّهَ وَاشْكُرْهُ عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ، وَلا قُوَّةَ إلاّ باللهِ)).

      إنَّ تنظيم هذه العلاقات الأسرية فيه دلالة على عظمة الشريعة المقدسة وتعاليمها؛ حيث التركيز على كل ما يحتاجه الإنسان ماديًّا أو معنويًّا لأجل تحقيق سعادته، والأسرة المتقومة بالأبوين والأبناء هي مجموعة أفراد، ولا بد من قوانين تنظم تلك العلاقة، والقانون الذي ينظم علاقة الأبناء بالآباء وفق الفطرة الإنسانية السليمة عنوانه (بر الوالدين).
      وقد اعتنى الإسلام بذلك كثيرًا، بما ورد من آيات مباركة وأحاديث عن النبي وآله "عليهم السلام"، ومنها قوله تعالى في أعظم بيان لتنظيم العلاقة الأسرية: ((وَقَضى‏ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً)) [الإسراء: ٢٣].
      والإمام السجاد "عليه السلام" قد أكد في رسالته الحقوق على (حق الأب)، ولا بد للإنسان المؤمن مراعاة هذا الحق؛ لأداء طاعة الله تعالى في ذلك، واجتناب معصيته في التقصير به.
 وهنا من المهم الالتفات إلى ما يتعلق بهذا الحق فيما يأتي بإيجاز  : 
١-  أنْ يلتفت الأبناء إلى أنَّ للأب عليهم نعمة عظيمة وفق الفطرة الإلهية في الخلق، حيث كل الآباء على اختلافهم هم أصل للأبناء ماديًّا فسلجيًّا، وقد يكون معنويًّا كذلك في بعض الأحايين، وينبغي تذكُّر ذلك وعدم الغفلة عنه، ففيه آثار عظيمة، وخصوصًا إذا كان الأب من الصالحين الأبرار حيث يُورِّث أبناءه ذلك.

٢-  معرفة حقيقة أنَّ الأبناء هم فرع لآبائهم، وليسوا بمعزلٍ تامٍّ عنهم، وهذه المعرفة والاستذكار لها يجعل الأبناء على رقابة تامة في تعاملهم مع الآباء من جهة، وضرورة أنْ يكون هذا الفرع منبعّا للخير من الأصل، ومرآة عاكسة له من جهة ثانية، وضرورة تفكير الآباء بتربية ذلك الفرع والاعتناء به؛ لأنه امتداد له في الخير والشر، ويمكن استثماره ليكون صدقة جارية دائمة له، وهذا يحتاج إلى جهد وسيتم بيانه في حقوق لاحقة.

٣-  أهمية استشعار الأبناء لما يقوم به الآباء من تضحيات كبيرة من أجل أبنائهم، منذ الصغر إلى أنْ يصلوا إلى روعة العمر عند الشباب، وتربيته ومعاهدته ليلة ليلة، بل ساعة ساعة ليرى ثمرة قلبه تملؤ عينيه سرورًا، وهذا يحتاج إلى توفيق الأبناء لمراعاة ذلك ومعرفته والقيام بحقه.

٤-  ومن الضروري أنْ يستذكر الأبناء، أو يتم تذكيرهم أنَّ كثيرًا من النعم التي يتنعمون بها فإنَّ لآبائهم دورًا فيها، فلا ينسى عظمة أبيه وجهوده وجهاده في تعليمه، وتسخير طاقته من أجل حصوله على شهادة رفيعة، ومنزلة في المجتمع، وعند ذلك يرى أباه بنظرة التعالي والاستهجان لا سمح الله، أو ينعم بالزوجة والأبناء وسروره بهم وينسى إدخال السرور على أبيه الذي هو سبب ما هو عليه من سرور وغير ذلك من أمثلة كثيرة.

٥-  أهمية الالتفات إلى المنعم الحقيقي على العباد وهو الله تعالى، وعلى الأبناء أنْ يعلموا أنَّ آباءهم نعمة من الله عليهم وفضل، ولا بد من أداء حمد الله تعالى لهذه النعمة وشكره عليها، حيث هذه المعرفة لها أثر في طاعة الله تعالى من جهة، والبركة والرضا من جهة ثانية، وأداء حق المنعم من جهة ثالثة، ودوامها على أحسن حالها من جهة رابعة، وديمومتها في أبنائه مستقبلًا من جهة خامسة.

أخيرًا   .. 
      إنَّ هذه الحقوق العظيمة في تنظيم الأسرة وبنائها تؤكد مدى عناية الإمام السجاد "عليه السلام" بهذه الحقوق الإنسانية من جهة، وعالمية الشريعة الإسلامية التي تلائم الفطرة الإنسانية من جهة أخرى، وعلى الأمة التمسك بها إنْ كانت تبحث عن سعادتها وصلاحها. والسلام 

رسالة_الحقوق.jpg