من أكثر الشبهات التي روّج لها الإعلام الأموي، ولا تزال تُكرر في بعض الكتابات المعاصرة، القول إن الإمام الحسين (عليه السلام) خرج على الخليفة الشرعي للمسلمين، وإن الإسلام يوجب طاعة ولي الأمر ويحرم الخروج عليه، ولذلك كان ما قام به مخالفةً للنظام العام وإثارةً للفتنة بين المسلمين.
وهذه الشبهة ليست جديدة، بل هي الامتداد الفكري للدعاية التي تبناها بنو أمية لتبرير قتل الإمام الحسين (عليه السلام)، إذ كان لا بد من تصويره في نظر الناس على أنه متمرد على الدولة، لا أنه سبط رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي قُتل لأنه رفض الانحراف.
غير أن هذه الدعوى تسقط أمام القراءة العلمية للنصوص الإسلامية والوقائع التاريخية.
إن أول ما ينبغي بيانه أن الشرعية في الإسلام لا تقوم على مجرد الاستيلاء على السلطة، وإنما تقوم على الالتزام بالقرآن والسنة والعدالة وحفظ حقوق الأمة. فالسلطة ليست غاية في نفسها، وإنما وسيلة لإقامة الحق، ولذلك فإن الإسلام لم يجعل كل من استولى على الحكم واجب الطاعة، بل جعل الطاعة مقيدة بطاعة الله ورسوله.
وقد أكد القرآن الكريم هذا المعنى بقوله تعالى: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾، فجعل طاعة أولي الأمر امتدادًا لطاعة الله ورسوله، مما يدل على أن الطاعة لا تكون لمن يخالف الشريعة ويجاهر بالفسق.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا خرج الإمام الحسين (عليه السلام)؟ وإنما: هل كان يزيد مستحقًا للبيعة والطاعة؟
لقد أجمع المؤرخون على أن يزيد تولى الحكم عن طريق ولاية العهد التي فرضها معاوية بالقوة، مخالفًا بذلك بنود الصلح الذي عقده مع الإمام الحسن (عليه السلام)، والتي نصت على ألا يعهد بالخلافة إلى أحد بعده، وأن يترك أمر المسلمين شورى بينهم١.
كما نقلت المصادر التاريخية أن يزيد كان معروفًا باللهو وشرب الخمر ومجالسة أهل الطرب والصيد، حتى إن عددًا من كبار الصحابة والتابعين امتنعوا عن بيعته، منهم عبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر في بداية الأمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد الله بن عباس، فضلًا عن الإمام الحسين (عليه السلام)٢.
ولهذا لم يكن اعتراض الإمام الحسين (عليه السلام) موقفًا شخصيًا، بل كان اعتراضًا على تحويل الخلافة الإسلامية إلى ملك وراثي، وإضفاء الشرعية على حاكم لا تتوفر فيه مقومات القيادة الإسلامية.
وقد عبّر الإمام عن ذلك بقوله المشهور عندما طُلبت منه البيعة:
«إنا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، وبنا فتح الله وبنا ختم، ويزيد رجل فاسق، شارب للخمر، قاتل النفس المحترمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله.» (١)
إن هذا النص لا يناقش قضية سياسية فحسب، وإنما يقرر مبدأً عقديًا، وهو أن الشرعية لا تُمنح لمن يجاهر بانتهاك أحكام الدين.
ومن الناحية العقلية، فإن طاعة الحاكم إنما شُرعت لحفظ النظام العام وإقامة العدل، فإذا تحول الحاكم نفسه إلى مصدر للظلم والفساد، فإن منحه الشرعية يؤدي إلى هدم الغاية التي من أجلها شُرعت الطاعة.
فلو قيل بوجوب طاعة كل من استولى على الحكم مهما كان فسقه، لكان ذلك إقرارًا بشرعية كل طاغية، ولتعطلت فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو ما يتنافى مع روح الشريعة الإسلامية.
ولذلك أعلن الإمام الحسين (عليه السلام) هدفه الحقيقي بقوله:
«إني لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا، ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر.» (٢)
وهذا النص ينفي بوضوح أن يكون خروجه طلبًا للسلطة أو رغبةً في إثارة الفتنة، بل يثبت أن حركته كانت استجابةً لتكليف شرعي يهدف إلى إصلاح الواقع الإسلامي.
كما أن الإمام لم يبدأ بمواجهة عسكرية، بل غادر المدينة حفاظًا على أمنها، ثم خرج من مكة حتى لا تُستباح حرمة البيت الحرام بسببه، وحاول طوال الطريق تجنب القتال، بل عرض على جيش عمر بن سعد أن يتركوه يرجع من حيث أتى أو يذهب إلى أحد الثغور، لكن السلطة رفضت جميع الحلول، وأصرت على البيعة أو القتل٣.
وهذا يكشف أن الإمام لم يكن هو الذي اختار الحرب، وإنما فُرضت عليه بعدما أُغلقت أمامه جميع الخيارات السلمية.
ثم إن نتائج الأحداث نفسها تؤكد أن يزيد لم يكن يمثل الحاكم الذي تجب طاعته؛ إذ لم تمض سنوات قليلة حتى وقعت واقعة الحرة سنة (٦٣هـ)، حيث استُبيحت المدينة المنورة وقُتل عدد كبير من الصحابة وأبنائهم، ثم حوصرت مكة وضُربت الكعبة بالمنجنيق في السنة التالية، وهي أحداث هزّت ضمير المسلمين، وأظهرت حقيقة النهج الذي كان الإمام الحسين (عليه السلام) يحذر منه٤.
ولو كان الإمام قد بايع يزيد، لأصبح كل ذلك يُرتكب باسم الإسلام وتحت غطاء شرعي يصدر من سبط رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهو ما رفضه الإمام رفضًا قاطعًا.
إن نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) لم تكن خروجًا على الحاكم الشرعي، وإنما كانت وقوفًا في وجه سلطة فقدت مقومات الشرعية الدينية والأخلاقية. ولذلك لم يكن الإمام خارجًا على الإسلام، بل كان مدافعًا عن جوهره، ولم يكن متمردًا على النظام، بل كان رافضًا لتحويل الخلافة إلى وسيلة لتبرير الظلم والانحراف.
ومن هنا، فإن وصف الإمام الحسين (عليه السلام) بأنه "خارج على الحاكم الشرعي" ليس حكمًا تاريخيًا، وإنما شعار سياسي صنعته السلطة الأموية لتبرير جريمتها، وقد سقط هذا الشعار أمام شهادة التاريخ، وبقي الإمام الحسين (عليه السلام) رمزًا للشرعية والعدل، بينما بقي قاتلوه رمزًا للاستبداد والظلم.
الهوامش
١. الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج٥، ص٣٠٣؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج٣، ص٥٠٧؛ الشيخ المفيد، الإرشاد، ج٢، ص١١.
٢. البلاذري، أنساب الأشراف، ج٣، ص١٤٢-١٤٦؛ ابن قتيبة الدينوري، الإمامة والسياسة، ج١، ص١٧١-١٧٤؛ الخوارزمي، مقتل الحسين، ج١، ص١٨٤.
٣. الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج٥، ص٣٨٩-٤٠١؛ الدينوري، الأخبار الطوال، ص٢٤٧-٢٥٢؛ ابن أعثم الكوفي، الفتوح، ج٥، ص٩٠-٩٨.
٤. اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، ج٢، ص٢٥٠-٢٥٣؛ ابن كثير، البداية والنهاية، ج٨، ص٢٣٦-٢٤٥؛ المسعودي، مروج الذهب، ج٣، ص٧٩-٨٢.
