نار تحت رماد الإرهاب.. باكستان والعراق نموذجا

باتت الأمور تتكشف عن نوايا باكستان تجاه إيران، ولا أخال إيران غافلة عن حقيقة باكستان، كونها بلد إسلامي فيه تنوّع مذهبي، استغله أعداؤه ليحوّلوه إلى ساحة تناحر واقتتال يكفر فيها البعض الطرف الآخر، ذلك أن الفكر الوهابي المتطرّف، استطاع بما وفرت له السعودية من إمكانات مادية ضخمة، أن يتغلغل بين أوساط الباكستانيين، ويؤلف بهم مجاميع إرهابية خطيرة، بدأ من تنظيم القاعدة وما تفرّع عنه من مسميات عناوينها إسلامية وأفعالها وحشية.

تنظيم القاعدة كان المستفيد الأول، مع توافد الآلاف من مقاتليه إلى مخيمات التدريب التي أقامها في أفغانستان، ما بين العامين 1996 و2001، وبالرغم من الحواجز اللغوية والثقافية، عمل عدد من التنظيمات الإرهابية الإسلامية الباكستانية تحت إشرافها منذ العام 2001، من بينها جند الله (1) ، ولشكر جهنكوي(2)، ولشكر طيبة(3)، وطالبان باكستان(4)، جيش سباه صحابة(5) تديرها زعامات مشبوهة وعناصر مخابراتية لها ارتباط بالمخابرات الأمريكية والبريطانية والصهيونية، لا شكّ أن المخابرات الباكستانية لها ما يؤكّد تلك الصّلات.

ومع ذلك وقفت القوات الأمنية الباكستانية ومخابراتها عاجزتين، أمام تنوع حركات الإرهاب بعناوينها الإسلامية، فلم تتمكن من الحدّ من انتشارها، وقف أعمالها الإرهابية التي تقع بين الفينة والأخرى في المدن ، مخلّفة عشرات القتلى والجرحى، من الباكستانيين أنفسهم، مستهدفة الطائفة الشيعية على وجه الخصوص، كان آخره التفجير الذي استهدف مسجد الامام برقة بالعاصمة إسلام آباد، يوم 6 /2/ 2026 وخلف مقتل شخصا 31 وجرح 169 آخرين(6)، في سلسلة سفك دماء لم تستثني حتى بيوت الله، عقلية أصبحت راسخة في أوساط ذوي الفكر الوهابي، المتغلغل في الأوساط الباكستانية.

تمثل الحدود الشرقية لإيران وحدودها الوسطى الغربية جبهتان محسوبتان في مخطط أمريكا والصهاينة، قد يتخذان منها منطلقا لعدوان برّي على إيران، اعتمادا على المجاميع الإرهابية المستقرة على الحدود الباكستانية الإيرانية والعراقية الايرانية، وتحريكها في اتجاه الدخول إلى الأراضي الإيرانية مسألة وقت، مرتبط بمدى نجاح الأمريكيين، في تحقيق هدف أضعاف القوات الإيرانية، عندها سينتقل ترامب إلى الخطة الثانية من الحرب، وهي الدخول البري واحتلال مضيق هرمز، بعد الهاء القوات الإيرانية بالمجاميع الإرهابية على حدودها شرقا وغربا.

باكستان التي تأوي ارهابيي تنظيم جند الله، محرضين من أمريكا والسعودية، الذين اشربوا في قلوبهم الفكر الوهابي التكفيري، فذهب بهم بعيدا في معاداة إيران، قامت عناصره بتنفيذ سلسلة من الأعمال الإرهابية، أودت بحياة العشرات من المسؤولين والعسكريين والأمنيين والمدنيين الإيرانيين، وقد تعامل النظام الاسلامي مع هذه الجماعة التكفيرية بحزم فلم يتهاون في تتبعها ومواجهتها، مقراتها السرية في الجهة الغربية لباكستان، والسلطات الأمنية الباكستانية هناك على علم بها، كذلك المعارضة الكردية المتمركزة في كردستان العراق، التي دخلت في تنسيق وتعاون عسكري مع أمريكا، وبدأت تنفذ مخططات المشاركة في العدوان البري المحتمل على إيران، بعدما تلقت أسلحة متنوعة ومتطورة بأمر من الرئيس الأمريكي ترامب يقوم الأكراد بدورهم بإرسالها إلى داخل ايران(7) لإحداث فوضى وقتل مدنيين بواسطتها.

عامل اذكاء الفتن، ونشر مشاعر الكراهية المبنية على الأوهام، وبث الحقد الأسود بين المسلمين، تحت عنوان الانتصار للمذهب، والدفاع عن الإسلام بمنطق القوة والتكفير، مشروع صهيوني غربي خبيث، عملت عليه دوائر الغرب الاستخبارية المتخصصة في إدارة ميدانها، وقد انطلقت أعماله بعد انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية، فغزا الدول والشعوب الإسلامية وحتى تلك التي تعيش في أوروبا مهاجرة من بلدانها، بواسطة مراكز إسلامية منتشرة تنفق عليها السعودية بسخاء كبير، وتهيؤ لها من يديرها ويشرف عليها ويستقطب منها عناصر تكفيرية بعدما ملأت عقولهم بالفكر الوهابي المتطرّف.

ولا يمكن فصل هذه التنظيمات وأعمالها الإرهابية من دون الحديث عن التمويلات التي تشرف عليها السعودية وتدير عناصرها تأسيسا ورعاية من طرف آل الشيخ ومحمد بن سلمان، الذي أعلن منذ سنوات توجهه في أثر المبلغين الدارسين في إيران والعراق في افريقيا خصوصا من أجل الحدّ من انتشار الفكر الثوري الشيعي، انقاذا لما تبقى من فكر قانع بولاية ولي الأمر القانع بما تراه أمريكا خادما مصالحها، ويعتبر الكيان الصهيوني أقل خطرا من الشيعة والتعايش معه من شأنه أن يمنح المنطقة شيئا من الأمن، ويبعد عنها الاختلاف وشبح الحرب.

دور باكستان كحكومة علمانية شبيهة بتركيا، لا يتعدى كونه سياسي شكلي، لا يمكنه أن يغيّر حتى الساحة الداخلية الباكستانية المليئة بعناصر التطرف والتكفير، هي اقرب إلى أمريكا من إيران، ولا يمكن أن تنظر اليه الدبلوماسية الإيرانية بغير نظرة الجارة التي تعمل على الحفاظ على مصالحها سواء أكانت مع أمريكا أم مع ايران، والاختراق الداخلي لجماعات باكستان الإرهابية لا يعالج بسهولة لتشعّب تلك التنظيمات وسط مجتمع متعدد قوامه 180  مليون نسمة، ورقة المجاميع الإرهابية في باكستان والعراق وسوريا بيد أمريكا وحلفائها، متوقع أن تلجأ اليها، ولا أخال الإيرانيين غافلين كمّا يحاك لهم من مؤامرات.

ايران تعيش بين دول محسوبة جارة - وحقوق الجيرة في الإسلام لا تعدوها حقوق - ويجمعها بها الدين والتاريخ والمستقبل المشترك، عاملتهم بما يحتّمه عليها الدين والأخلاق والقانون الدولي، كاخوة في الإسلام والإنسانية، لكنّ هؤلاء لم يبادلوها مما أبدته لهم من إخاء وتسامح، بل اضمروا لها الحقد، وجيّشوا حلوها قواعد عسكرية أمريكية، مستهدفين نظامها ومهددين أمنها، وقد حذّرتهم منذ انتصاب تك القواعد من خطورتها وعدم جدواها، معتبرة إياها نارا تحت الرماد، متى ما هبّت ريح تنفيذ مخطط عدواني، يكون في خدمة إسرائيل أوّلا، تأججت ناره واشتعلت، وما هو واقع هذه الأيام كشف ما كان خافيا بالأمس، وليس هناك من حلّ، سوى انهاء وجود تلك القواعد الاستعمارية، بأي أسلوب كان حتى تأمن المنطقة، والويل لمن يعارض القرار الصائب في تخليص جنوبي الخليج الفارسي من شرّ أمريكا واسرائيل.

المراجع

1 - جند الله، حركة صغيرة من التكفيريين المندفعين ارتبط اسمها بتنظيم القاعدة منذ نشأتها سنة 2004، كانت الحركة في السابق جزءًا من شبكة تنظيمات طالبان البنجاب المرتبطة بـالقاعدة والعاملة ضمن الأراضي الباكستانية، معظم عناصر جند الله الإرهابيين متمركزون في كراتشي، وهم أعضاء سابقون في الحزب السياسي الإسلامي المعروف بـالجماعة الإسلامية في باكستان، أقدمت هذه الجماعة على ارتكاب سلسة من الاعمال الإرهابية التي أودت بحياة مئات من الإيرانيين.

2 - لشكر جهنكوي أو "جيش جهنكوي" (بالأردية: لشکر جھنگوی) هي منظمة سنية مسلحة ذات أيديولوجيا سلفية جهادية، تأسست في باكستان عام 1990 كانشقاق عن منظمة "سباه صحابه". تصنف الجماعة كمنظمة إرهابية دولية، وتتخذ من باكستان وأفغانستان مقراً لها، تتصف بطابع طائفي ولها قواسم مشتركة كثيرة مع داعش، وباعتبارها متفرعة عن جماعة "سباه الصحابة" المعادية للشيعة، والتي أسسها جهنكوي في أواخر ثمانينات القرن الماضي، فهي تسعى إلى تحويل باكستان إلى دولة إسلامية سنية خاضعة لأحكام الشريعة.

3 - لشكر طيبة (أو "عسكر طيبة") هي جماعة إسلامية مسلحة، تأسست في باكستان خلال ثمانينيات القرن الماضي، وتتبنى الفكر السلفي الجهادي، تتخذ من إقليم البنجاب مقراً لها، وتُصنف كمنظمة إرهابية دولية من قبل العديد من الدول والمنظمات، هي الجناح العسكري لجماعة الدعوة بجناحها السياسي

4 - طالبان باكستان هي جماعة طلابية اسلاموية بشتونية مسلحة ومنظمة جامعة للعديد من الجماعات الطلابية المسلحة، المتمركزة على طول خط ديورند، معظم جماعات طالبان في باكستان متحدة تحت مظلة جماعة حركة طالبان باكستان، في ديسمبر من عام 2007، اتحدت نحو 13 جماعة تحت قيادة بيت الله محسود لتشكّل حركة طالبان باكستان.

5 - حركة "سباه الصحابة" (أي جيش الصحابة)، والمعروفة حالياً باسم "أهل السنة والجماعة"، هي منظمة دينية وسياسية باكستانية متشددة تأسست عام 1985. تهدف الحركة بشكل أساسي إلى مواجهة النفوذ الشيعي في باكستان وتُصنف كمنظمة إرهابية محظورة نظراً لتورطها في أعمال عنف طائفي.

6 -  باكستان .. ارتفاع حصيلة التفجير الانتحاري في مسجد إلى 36 قتيلا

https://www.aa.com.tr/ar/3823377

7 - ترامب: أمريكا أرسلت أسلحة للمتظاهرين الإيرانيين عبر الأكراد

https://arabic.cnn.com/middle-east/article/2026/04/05/trump-tells-fox-news-us-sent-arms-meant-for-iranian-protesters-to-kurds

✦ كتابات في الميزان ✦

يناقش المقال التحديات الأمنية التي تواجه إيران من خلال نشاط الجماعات المسلحة على حدودها، مع التركيز على باكستان والعراق بوصفهما ساحتين يرى الكاتب أنهما تتأثران بامتدادات التنظيمات المتطرفة والصراعات الإقليمية. ويعرض رؤية تربط بين الإرهاب والتدخلات الخارجية، محذرًا من استغلال الانقسامات المذهبية لإشعال الفتن وتهديد استقرار المنطقة، ومؤكدًا أن مواجهة التطرف تتطلب تعاونًا إقليميًا يعزز الأمن ويحفظ سيادة الدول بعيدًا عن مشاريع الصراع.

ايران.jpg