القرآن الكريم يتجلّى في سيرة وأخلاق الإمام الحسن عليه السلام / القسم الثاني

التجلي الرابع / الحلم والأناة

الحِلم : هو ضبط النفس عند الهيجان وكظم الغيظ مع القدرة على إيقاع العقوبة ، وهو من أرفع الأخلاق التي مدحها الله جلَّ وعلا ورغّب فيها عباده . والحلم خُلُق من أخلاق الإسلام ، وهو من مكارم الأخلاق ، وأعز الخصال ، وأجمل الصفات ، وأشرف السجايا ، وأنفع الأعمال في جلب المودة والمحبة والألفة .

وقد ورد الحلم في القرآن الكريم بصيغ متعددة ، تارةً كإسم من أسماء الله الحسنى ، وتارةً كصفة امتدح الله بها أنبياءه ورسله ، وتارةً كأمرٍ وتوجيهٍ للمؤمنين للتحلّي والتخلّق به .

قال تعالى : { وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ } .
وقال تعالى : { إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ } .
وقال تعالى : { فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ } .

ولقد كان الحلم منهجاً سلوكياً ، وصفةً بارزةً في حياة الإمام الحسن ( عليه السلام ) ، كان يقابل ما يتعرض له من استفزازات واعتداءات شخصية من ذوي التوجهات المخالفة له والمختلفة معه بأعلى حالات ضبط النفس وكظم الغيظ .

وفي هذا الصدد تُذكر مواقف متعددة تعرّض لها عليه السلام وتعامل معها بخلق إسلامي عالٍ وبأعلى درجات الوعي ..

فتعرض عليه السلام بسبب صلحه الذي أضطر اليه مع معاوية الى شتّى الاعتداءات النفسية والجسدية ممن هو محسوب عليه ، ولكنه واجهها بروية وما يتحلى به من مكارم الأخلاق ..

ومما يذكر من قصص حلمه أيضاً أنه كانت عنده عليه السلام شاة فوجدها يوماً قد كسرت رجلها ، فقال لغلامه : من فعل هذا بها ؟ قال الغلام : أنا. قال الإمام : لم ذلك ؟ قال الغلام : لأجلب لك الهم والغم ..! فتبسم ( عليه السلام ) ، وقال له : لأسرّك ، فأعتقه وأجزل له في العطاء . ( حياة الامام الحسن ع للقرشي ج١ ص٢١٤ )

والفضل ما شهد به العدو : روى المدائني عن جويرية بن اسماء قال : لما مات الحسن اخرجوا جنازته فحمل مروان بن الحكم سريره ، فقال له الحسين : ( تحمل اليوم جنازته وكنت بالامس تجرعّه الغيظ ؟ قال مروان : نعم كنت أفعل ذلك بمن يوازن حلمه الجبال ) .

ما أحوج البشرية اليوم الى هذه الصفة في التعامل والتعايش فيما بينها ، سواء على مستوى الدول والمجتمعات ، أو على مستوى الأفراد .. فالبشرية تعيش حالة من الغليان وموجة من الغضب والتوتر ، لا لشيء إلا لتخليها عن محاسن الصفات ومكارم الأخلاق ..

التجلّي الخامس / التواضع

أشارت العديد من الآيات في القرآن الكريم إلى خلق التواضع ، ومن أبرزها قوله تعالى في وصف عباد الرحمن : ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ﴾ [الفرقان: 63] ، حيث تعني كلمة هوناً السكينة والوقار والتواضع .

ولم تَرِد كلمة التواضع بلفظها الصريح في القرآن الكريم ، لكن جاءت صيغ وألفاظ متعددة تدلّ عليها وتأمر بها كصفة محمودة ، ومنها :

+ آيات تأمر بخفض الجناح ( وهو كناية عن التواضع ولين الجانب ) : ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ . وقال تعالى : ﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

+ التواضع للوالدين كجزء من برّهم : قال تعالى ﴿ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ .

+ آيات تصف المؤمنين المتواضعين : قال تعالى ﴿ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ .

+ آيات تنهى عن الكبر والخيلاء ( وهي ضد التواضع ) : قال تعالى ﴿ وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾ . وقال تعالى : ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ .

وإحدى التجليات القرآنية التي يتحلّى بها الإمام الحسن عليه السلام - وأهل بيت العصمة جميعاً - هي هذه الصفة الكريمة ، حيث يمثّل تواضع الإمام الحسن بن علي ( عليهما السلام ) صفةً راسخة في شخصيته ، ورثها عن جده الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وأبيه أمير المؤمنين عليه السلام .

فرغم مكانته الرفيعة ، وسؤدده ، وهيبته التي كانت تملأ العيون ، إلا أنه كان يُخفِض الجناح للفقراء والمساكين والصغار بـعفوية صادقة وتواضع حقيقي لا تكلف فيه .

وقد حفظ لنا التاريخ مواقف بارزة تُظهر هذا التواضع الجم ، منها :

+ تناول الطعام مع الفقراء : مَرّ الإمام على جماعة من الفقراء يملكون كِسَراً من الخبز يلتقطونها ويأكلونها ، فدعوه لمشاركتهم الطعام قائلين : هلمّ يا بن بنت رسول الله إلى الغداء . نزل عن دابته فوراً وقال : إنّ الله لا يحبّ المستكبرين وجلس يأكل معهم . بعد فراغه دعاهم إلى ضيافته في منزله ، فأطعمهم ، وكساهم ، وأغدق عليهم من معروفه .

+ الاستئذان من المسكين : كان الإمام جالساً في مكان ، وعزم على القيام والانصراف . دخل في تلك اللحظة رجل فقير ، فحيّاه الإمام ولاطفه وبسط له مكانه . لم يخرج الإمام مباشرة بل استأذنه تطييباً لخاطره قائلاً : إنَّك جلستَ على حِين قيامٍ مِنَّا ، أفتأذن لي بالانصراف ؟ ، فأذن له الرجل .

وعن النبي الأكرم ( صلى الله عليه واله وسلم ) انه قال لعلي (عليه السلام) : [ والله لو أن المتواضع في قعر بئر لبعث الله عز وجل ريحا يرفعه فوق الاخيار في دولة الاشرار ] .

ورُوِيَ عن الإمام الحسن العسكري ( عليه السلام ) أنهُ قَالَ : [ التَّواضُعُ نِعمَةٌ لا يُحسَدُ علَيها ] . تحف العقول : 489 .

وقيل في التواضع :

تَوَاضَعْ تَكُنْ كَالنَّجْمِ لاَحَ لِنَاظِرٍ
عَلَى صَفَحَاتِ المَاءِ وَهْوَ رَفِيعُ

وَلاَ تَكُ كَالدُّخَانِ يَعْلُو بِنَفْسِهِ
إِلَى طَبَقَاتِ الجَوِّ وَهْوَ وَضِيعُ


التجلّي السادس / العبادة

( عبادة الله جلّ وعلا ) هي العلّة من وراء خلق الجنّ والإنس بصريح قوله تعالى [ وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ ] الذاريات ٥٦ .

وتقسّم العبودية لله الى قسمين رئيسين هما :

العبودية العامة ( عبودية القهر والملك ) : تشمل جميع المخلوقات في الكون من مؤمن وكافر ، وإنس وجن وملائكة ، لأن الجميع خاضع لربوبية الله وقضائه وقدره ، قال تعالى ( إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ) .

العبودية الخاصة ( عبودية الطاعة والاختيار ) : وتقتصر على الأنبياء والمؤمنين الذين انقادوا لأوامر الله طوعاً ومحبة . وهي عبودية تشريف وتكريم ، ونسبهم الله فيها إلى نفسه ، قال تعالى ( قُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ وَسَلَٰمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصۡطَفَىٰٓۗ ءَآللَّهُ خَيۡرٌ أَمَّا يُشۡرِكُونَ ) .

وجاء ذكرهم - أصحاب العبودية الخاصة - في القرآن الكريم بأوصاف وتشريفات متعددة تعكس مراتبهم وسلوكياتهم ، منها :

١. التواضع والسكينة : الآية: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: 63]

٢. الحلم والصبر على الأذى : الآية: ﴿ وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ﴾ [الفرقان: 63]

٣. التهجد وقيام الليل : الآية: ﴿ وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا ﴾ [الفرقان: 64]

٤. الخوف من عذاب جهنم : الآية: ﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ۖ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ﴾ [الفرقان: 65]

٥. الاعتدال والوسطية في النفقة : الآية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: 67]

٦. اجتناب الشرك والقتل والزنا : الآية: ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ﴾ [الفرقان: 68]

٧. تجنب شهادة الزور واللغو : الآية ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ﴾ [الفرقان: 72]

٨. التأثر والخشوع بآيات الله : الآية ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا ﴾ [الفرقان: 73]


ولو قرأنا سيرة وحياة الإمام الحسن - وجميع المعصومين - صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً لوجدناهم المثال الأكبر والتطبيق الأعظم لمفهوم ومعنى العبادة لله جلّ وعلا .

وصف المؤرخون الإمام الحسن بأنه كان أعبد الناس في زمانه وأزهدهم ، وذكروا مظاهراً لعبادته عليه السلام ، منه ما ذكرناه في هذه السلسلة ومنه ما لم يستوعبه المقام ، ومماولم نذكره بعد :

+ كان عليه السلام إذا توضأ تغيّر لونه وارتعدت مفاصله ، وإذا سئل عن ذلك قال : حقٌّ على كل من وقف بين يدي رب العرش أن يصفرّ لونه وترتعد مفاصله .

+ وكان عليه السلام عند وصوله إلى باب المسجد يرفع رأسه ويقول : إلهي ضيفك ببابك ، يا محسن قد أتاك المسيء ، فتجاوز عن قبيح ما عندي بجميل ما عندك يا كريم .

+ وحجّ الإمام الحسن عليه السلام خمس وعشرين حجة ماشياً على قدميه ، وفي بعض الروايات حافياً ، بالرغم من أن المحامل والنجائب كانت تقاد معه خلفه تعظيماً لشعائر الله . وكان يقول: إني لأستحي من ربي أن ألقاه ولم أمشِ إلى بيته .

+ وكان إذا ذكر الموت أو القبر أو البعث والنشور بكى بكاءً شديداً . وإذا قرأ في القرآن الكريم آية فيها يا أيها الذين آمنوا قال : لبيك اللهم لبيك .

فهو صلوات الله عليه تجلّياً بيّناً لقوله تعالى : [ وَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَئِمَّةٗ يَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِمۡ فِعۡلَ ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَإِقَامَ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءَ ٱلزَّكَوٰةِۖ وَكَانُواْ لَنَا عَٰبِدِينَ ] الأنبياء ٧٣

آجركم الله بذكرى شهادة الإمام المجتبى عليه السلام

✦ كتابات في الميزان ✦

يواصل المقال استعراض التجليات القرآنية في سيرة الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)، مبينًا كيف تجسدت قيم الحِلم والتواضع والعبادة في شخصيته وسلوكه اليومي. ويستند الكاتب إلى الآيات القرآنية والروايات التاريخية لإظهار أن الإمام الحسن لم يكن مفسرًا للقرآن بالقول فحسب، بل كان ترجمةً عمليةً لمبادئه في التعامل مع الناس، وضبط النفس، وخدمة الفقراء، والإقبال على العبادة. ويخلص المقال إلى أن الاقتداء بهذه الأخلاق يمثل حاجة ملحّة للمجتمع المعاصر في ترسيخ ثقافة التسامح والرحمة والارتقاء بالسلوك الإنساني.

الامام الحسن.jpg