يُثير بعض الباحثين شبهةً مفادها أن الإمام الحسين (عليه السلام) كان بإمكانه أن يُظهر البيعة ليزيد تقيةً، ثم يعمل على إصلاح الأمة في وقتٍ آخر، كما أن التقية مبدأٌ شرعي أقره القرآن الكريم وعمل به عدد من الأنبياء والأولياء في ظروف الخوف. فلماذا لم يعمل الإمام الحسين (عليه السلام) بهذا المبدأ، ويجنب نفسه وأهل بيته وأصحابه تلك المأساة؟
وتبدو هذه الشبهة مقبولة في ظاهرها، لكنها تقوم على عدم التمييز بين موارد مشروعية التقية وبين الموارد التي يحرم فيها العمل بها، كما أنها تتجاهل طبيعة المهمة التي كان الإمام الحسين (عليه السلام) يؤديها في تلك المرحلة الحساسة من تاريخ الإسلام.
إن التقية ليست هدفًا في نفسها، وإنما هي وسيلة لحفظ الدين والأنفس عندما لا يترتب عليها ضياع أصلٍ من أصول الإسلام أو تثبيت الباطل. ولذلك أجازها القرآن الكريم في موارد الإكراه والخوف، فقال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾، كما مارسها بعض المؤمنين في ظروف خاصة حفاظًا على حياتهم عندما لم يكن في إعلان الحق مصلحة راجحة.
لكن التقية لا تكون مشروعة إذا كانت تؤدي إلى إضفاء الشرعية على الباطل أو ضياع الدين. ولهذا قرر فقهاء المسلمين أن لكل حكمٍ ظرفه، وأن الأحكام تتغير بتغيّر موضوعاتها.
ومن هنا نفهم موقف الإمام الحسين (عليه السلام). فالقضية لم تكن مجرد تهديد لحياته الشخصية، وإنما كانت تتعلق بمنح الشرعية الدينية لحكم يزيد. فلو بايع الإمام، حتى على سبيل التقية، لاحتجت السلطة بهذه البيعة، ولأصبحت دليلًا عند عامة المسلمين على مشروعية حكم يزيد، لأن الإمام الحسين (عليه السلام) لم يكن رجلًا عاديًا، بل كان سبط رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإمام الأمة.
ولهذا رفض الإمام البيعة منذ البداية، وقال:
(إنا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، وبنا فتح الله وبنا ختم، ويزيد رجل فاسق، شارب للخمر، قاتل النفس المحترمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله) (١)
إن عبارة (ومثلي لا يبايع مثله) لا تعني الامتناع الشخصي فحسب، بل تعلن مبدأً عامًا، وهو أن صاحب الرسالة لا يجوز له أن يمنح الشرعية لمن يهدم الدين.
فإن التقية تُشرع عندما تحفظ الحق، أما إذا أصبحت سببًا في ضياع الحق، فإنها تفقد مشروعيتها. فلو أن شاهدا شهد زورًا بحجة المحافظة على حياته، أو أن عالمًا أقرّ بانحرافٍ عقدي حتى لا يُقتل، مع علمه بأن الناس سيقتدون به، فإن فعله لا يكون حفاظًا على الدين، بل يكون سببًا في تضليل الأمة.
وهذا هو الفرق بين حال الإمام الحسين (عليه السلام) وبين غيره؛ إذ إن موقفه لم يكن موقف فردٍ عادي، بل موقف المرجعية الدينية العليا في الأمة.
وقد أوضح الإمام ذلك في وصيته لأخيه محمد بن الحنفية، فقال:
(إني لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا، ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر).(٢)
ومن الواضح أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يجتمعان مع إقرار المنكر ومنح الشرعية له.
ومن الشواهد التاريخية أن الإمام الحسين (عليه السلام) لم يكن مطلوبًا منه مجرد السكوت، بل كان مطلوبًا منه إعلان البيعة، لأن يزيد كان يدرك أن بيعة الحسين (عليه السلام) ستُسكت المعارضين، وستجعل الأمة تنظر إلى حكمه على أنه امتداد طبيعي لخلافة رسول الله (صلى الله عليه وآله).
ولهذا كتب يزيد إلى والي المدينة الوليد بن عتبة يأمره بأخذ البيعة من الإمام الحسين (عليه السلام) فورًا، فإن امتنع فضرب عنقه، ولم يقبل منه التأجيل أو الاعتزال٣.
ولو كانت التقية تحقق الغرض الشرعي، لقبلت السلطة باعتزال الإمام وعدم تدخله، لكنها كانت تريد البيعة تحديدًا، لأنها كانت تبحث عن الشرعية لا عن الهدوء.
وقد بيّن الإمام الحسين (عليه السلام) أن المرحلة لم تعد مرحلة سكوت، فقال:
(ألا ترون أن الحق لا يُعمل به، وأن الباطل لا يُتناهى عنه؟ فليرغب المؤمن في لقاء الله محقًا) (٤)
وهذا النص يكشف أن الإمام رأى أن الانحراف بلغ مرحلةً أصبح السكوت فيها مشاركةً ضمنية في تثبيته، ولذلك تحولت المواجهة إلى واجب شرعي.
ولم يكن هذا الفهم خاصًا بالإمام الحسين (عليه السلام)، بل سار عليه الأئمة من بعده. فقد رُوي عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام):
(إنما جُعلت التقية ليُحقن بها الدم، فإذا بلغ الدم فلا تقية).(٥)
وهذا النص يوضح أن التقية ليست حكمًا مطلقًا، بل لها حدود، فإذا أصبح العمل بها سببًا في ضياع الدين أو تثبيت الظلم، لم يعد لها موضوع.
لقد أثبتت الوقائع التاريخية أن موقف الإمام الحسين (عليه السلام) كان هو الذي حفظ الإسلام من الانحراف؛ إذ كشفت نهضته حقيقة الحكم الأموي، وأسقطت الشرعية الأخلاقية عنه، وأعادت للأمة معيار التمييز بين الإسلام الأصيل والإسلام الذي حاولت السلطة توظيفه لخدمة مصالحها.
وعليه، فإن الإمام الحسين (عليه السلام) لم يترك التقية مخالفةً لحكم شرعي، وإنما تركها لأن موضوعها لم يكن متحققًا، ولأن العمل بها في تلك الظروف كان سيؤدي إلى تثبيت حكمٍ منحرف باسم الدين، وهو ما يتعارض مع مسؤوليته في حفظ الرسالة الإسلامية وصيانة مبادئها.
الهوامش
١. الشيخ المفيد، الإرشاد، ج٢، ص٣٣.
٢. المجلسي، بحار الأنوار، ج٤٤، ص٣٢٩.
٣. الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج٥، ص٣٣٨-٣٤٠.
٤. الشيخ المفيد، الإرشاد، ج٢، ص٧٨؛ الخوارزمي، مقتل الحسين، ج١، ص٢٣١.
٥. الكليني، الكافي، ج٢، ص٢١٧.
