ليسَ التواضعُ ضعفا، ولا انكسارا، ولا انتقاص منْ قدرِ الإنسان، وإنما هوَ أنْ يعرفَ المرءُ قدرهُ منْ غيرِ أنْ يزدريَ قدر الآخرين، وأنْ يدركَ ما أوتيَ منْ فضلٍ منْ غيرِ أنْ ينسى فضلُ اللهِ عليه. فالتواضعُ خلقٌ يرفعُ صاحبه، ويمنحهُ مكانة في القلوبِ لا تستطيعُ المناصب، ولا الأموال، ولا الألقاب أنْ تمنحها. إذا كانَ العدل هوَ أنْ يعطى كلّ ذي حقّ حقه، فإنَ التواضعَ هوَ الطريقُ الأقربُ إلى بلوغه؛ لأنَ المتواضعَ لا يرى نفسهُ فوقَ الناس، ولا يحتكرُ الحقيقة، ولا يظنُ أنَ المنصبَ يجعلهُ أفضل منْ غيره، بلْ يدركُ أنَ الإنسانَ مهما علا شأنه، فإنما هوَ عبدٌ لله، وأنَ ما لديهِ منْ علمٍ أوْ مالٍ أوْ جاهٍ أوْ سلطةٍ إنما هوَ فضلٌ مؤقتٌ وأمانة
لقدْ حذرَ القرآن الكريم منْ الكبرِ والاستعلاء، فقالَ اللهُ سبحانهُ وتعالى: (إنَ الذينَ كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتحُ لهمْ أبوابُ السماءِ ولا يدخلونَ الجنةَ حتى يلجَ الجملُ في سمِ الخياطِ وكذلكَ نجزي المجرمين) (الأعراف: 40) إنها صورةٌ قرآنيةٌ عظيمةٌ تكشفُ خطورةَ الكبر؛ فالجملُ رمز للضخامةِ والقوة، و " سمِ الخياطِ " هوَ ثقبُ الإبرةِ الدقيق، فكيفَ يمكنُ لجملٍ عظيمٍ أنْ ينفذَ منْ ذلكَ الثقب؟ وهكذا يبينُ القرآنُ أنَ الكبرَ ليسَ مجردَ صفةٍ مذمومة، بلْ حاجزَ يحولُ بينَ الإنسان، وبينَ الحق، ويمنعهُ منْ قبولِ النصيحةِ والاعترافِ بالخطأ.
قالَ سبحانه وتعالى: ( ولا تصعرْ خدكَ للناسِ ولا تمشِ في الأرضِ مرحا إنَ اللهَ لا يحبُ كلٍ مختالٍ فخور) لقمان: 18، وقالَ سبحانه: ( وعباد الرحمنِ الذينَ يمشونَ على الأرضِ هونا) ،الفرقان: 63 .
فكمْ منْ إنسانٍ بسيطٍ رفعتهُ أخلاقه، وكمْ منْ صاحبِ منصبٍ أوْ مالٍ أوْ جاهٍ أسقطهُ غروره منْ أعينِ الناس. قدْ يخافُ الناس المتكبر، وقدْ يجاملونهُ ما دامَ صاحبُ سلطة، لكنهمْ لا يحبونه، ولا يثقونَ به. فإذا زالَ المنصب، انفضَ كثيرا منْ حوله، وبقيَ الإنسانُ أمامَ حقيقةٍ لا يستطيعُ الهروب منها: إنَ المناصبَ زائلة، وأنَ المالَ عابر، وأنَ ما يبقى هوَ أثرُ الإنسانِ في قلوبِ الناس.
ما أجملَ الحكمةَ التي تقول: ( رحمَ اللهُ امرأً عرفَ قدره) ، فمعرفةُ الإنسانِ قدرهُ لا تعني التقليلَ منْ شأنِ نفسه، بلْ تعني أنْ يعرفَ حدوده، ويحترمُ الآخرون، ويدركُ أنَ الكمالَ للهِ وحده. ومنْ عرفَ قدره لمْ يتعالَ على أهله، ولمْ يستخفْ بأبناءِ عشيرته، ولمْ يجعلْ المنصبُ حاجزا بينهُ وبينَ الناس. إنَ مقامَ المتواضعِ بينَ أهلهِ وشعبهِ وعشيرتهِ مقامٌ عظيم؛ فهوَ الذي إذا جلسَ بينهمْ لمْ يشعرهمْ بأنهُ فوقهم، وإذا تولى مسؤوليةَ جعلها خدمةَ لا امتيازا، وإذا امتلكَ القدرةَ لمْ يستخدمها لإذلالِ الآخرين. ولذلكَ يبقى محبوبٌ حتى بعدِ مغادرتهِ منصبه، لأنَ الناسَ أحبوا فيهِ الإنسانَ قبلَ أنْ يعرفوا المسؤول.
أما المتكبر، فإنَ نهايتهُ تبدأُ يوم يظنُ أنهُ أكبرُ منْ النصيحة، وأرفع منْ النقد، وأعلى منْ المحاسبة. فالكبرُ يعزلُ الإنسانَ عنْ الناسِ قبلَ أنْ يعزلهُ الناسُ عنه. وقدْ يعلو المتكبر في أعينِ نفسه، لكنهُ يسقطُ في أعينِ الآخرين؛ بينما قدْ يبدو المتواضع بسيطا، لكنهُ يكبرُ في القلوب. وليسَ التواضع أنْ يتنازلَ الإنسانُ عنْ كرامتهِ أوْ حقوقه، بلْ إنَ يكونُ قويا منْ غيرِ غرور، عالما منْ غيرِ استعلاء، مسؤولاً منْ غيرِ تسلط، وصاحبِ مكانةٍ منْ غيرِ احتقارٍ للآخرين. فالتواضعُ قوةٌ أخلاقية؛ لأنهُ يجعلُ الإنسانَ قادرا على الاعترافِ بالخطأ، وقبول النصيحة، والاستماعِ إلى الآخرينَ ، والرجوعُ إلى الحقِ متى ظهرَ له.
إنَ المجتمعاتِ لا تنهضُ بالغرورِ والاستعلاء، وإنما تنهضُ حينَ يتواضعُ المسؤولُ أمامَ مسؤولياته، والعالمِ أمامَ علمه، والغنيِ أمامَ نعمته، والقويِ أمامَ قدرته، فالإنسانُ لا يقاسُ بما جمعهُ منْ ألقاب، ولا بما شغلهُ منْ مناصب، وإنما بما تركهُ منْ أثرٍ طيبٍ في نفوسِ الناس.
فطوبى لمنْ عرفَ قدره، ولمْ ينسَ فضل ربه، ولمْ يجعلْ المنصبُ حجابا بينهُ وبينَ الناس. وطوبى لمنْ إذا ارتفعَ تواضع، وإذا قدرَ عفا، وإذا نصحَ أصغى، وإذا أخطأَ اعترف، فالمتكبرُ قدْ يعلو في أعينِ نفسه، لكنهُ يسقطُ في أعينِ الناس؛ أما المتواضع، فقدْ يبدو صغيرا في مقامه، لكنهُ يكبرُ في القلوب، وما أصدقَ القول: (منْ تواضعَ للهِ رفعه، ومنْ تكبرٍ على الناسِ وضعه ) .
هكذا يبقى التواضعُ تاجا لا يرى على الرأس، ولكنهُ يرى في السلوك، ويبقى العدلُ ثمرة لا تنبتُ إلا في قلبٍ خالٍ منْ الكبر، فالمنصبُ عابر، والقوة لا تدوم، والمال زائل، أما الأخلاقُ الطيبةُ والأثرُ الحسنُ فهم ما يبقى للإنسانِ بينَ أهلهِ وشعبهِ وعشيرته، وفي ذاكرةِ منْ عرفوه.
✦ كتابات في الميزان ✦
يأخذنا الدكتور محمد خضير الأنباري في هذا المقال إلى معنى بسيط نعرفه جميعًا، لكننا نغفل عنه أحيانًا: كلما ارتفع الإنسان في منصبه، ازدادت حاجته إلى التواضع. فالمسؤول المتواضع يسمع الناس، ويقبل النصيحة، ويعترف بخطئه، ولذلك يكون أقرب إلى العدل والإنصاف. أما المتكبر فقد يفرض حضوره بالمنصب، لكنه لا يستطيع أن يفرض محبته في القلوب. وفي النهاية، تزول المناصب ويبقى من الإنسان ما تركه من معاملة طيبة وأثر حسن.
