زينبٌ بين طَشتَيْن وكفَّيْن

لم تكد زينبُ (عليها السلام) تفتح عينيها على الدنيا، حتّى فُتحتا على الجراح؛ فقد كانت في السادسة من عمرها تقريبًا حين استشهد جدُّها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم يكن رحيله مجرّد فراق حفيدةٍ لجدّها، بل بداية سلسلةٍ من الآلام ستلازمها ما بقي من عمرها. نشأت وهي ترى البيت الذي كان مهبط الوحي، وتسمع ما قيل في حقّ جدّها من كلماتٍ ما كان ينبغي أن تُقال لنبيٍّ ختم الله (تعالى) به الرسالات حتّى بلغ الأمر أن يُقال عند فراش احتضاره: "إنَّ الرجل ليهجر". 
ثم لم تمضِ إلّا أشهرٌ قليلة حتّى وقفت على مصاب أمّها فاطمة الزهراء (عليها السلام)، لتُفجع بيُتمٍ أطبق على قلبها وهي في ربيع العمر، ولم تكن زهرة طفولتها قد تفتّحت أوراقها بعد. ورأت زينبُ (عليها السلام) أمَّها فاطمة الزهراء (صلوات الله عليها) وهي تقف في مسجد جدِّها، تُلقي خطبتها الفدكيّة الخالدة، تلك الخطبة التي لم تُحرِّك القلوب فحسب، بل كشفت وجوه النفاق، وأقامت الحجّة على مرِّ العصور. فلم تكن الزهراء (عليها السلام) تستجدي حقًّا، بل كانت تُقيم الحق، وتُعلِّم الأجيال أن كلمة العدل لا تُقاس بكثرة الأنصار، ولا تُطفأ بسطوة السلطان. فكانت خطبة أمّها تمهيدًا لخطبتها، وكان موقف الزهراء (عليها السلام) إعدادًا لموقف زينب. ومن تلك الوقفة، تجلّت في زينب قوّة البيان، وشجاعة الخطاب، وصلابة الموقف، حتّى إذا وقفت بعد سنين في مجلس ابن زياد ويزيد، لم تكن كلماتها وليدة تلك الساعة، بل كانت امتدادًا لخطبة الزهراء (عليها السلام) ، وصدىً للحق الذي قامت به أمّها. ولم تمضِ السنون طويلًا، حتى ابتُليت زينبُ (عليها السلام) بفقد أبيها أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليهما السلام). فقد شهدت ذلك الفجر الذي خُضِّب فيه محراب الكوفة بدم الإمام، وهو قائمٌ بين يدي ربِّه يناجيه في صلاته، وقد اغتيل في أشرف المواطن وهو محراب العبادة. ولم يكن الدرس عند زينب مقتصرًا على مشهد الشهادة، بل امتدّ إلى آخر وصايا أبيها وهو يجود بنفسه؛ إذ لم يسمح للألم أن يهزم العدالة، ولا للانتقام أن يتقدّم على الحق، فأوصى أن يُقتصَّ من قاتله بالعدل، فلا يُزاد عليه، ولا يُمثَّل به؛ ليُثبت أنّ العدالة مبدأٌ لا يتغيّر حتّى في أشدّ ساعات الألم.
وهكذا حملت زينبُ رسالةَ جدِّها، وحقَّ أمِّها، وعدالةَ أبيها... حتّى تحمّلت مشاهدَ تعجز الكلمات عن وصفها، مشاهدَ جعلت تاريخ الأخوّة يقف مذهولًا بين طَشتَيْن... وكفَّيْن.
فوقفت أوّلًا أمام طَشتٍ لم يحمل ماءً ولا طعامًا، بل حمل قطعةً من كبد أخيها الإمام الحسن (عليه السلام)، بعدما مزّق السمُّ أحشاءه، حتّى لفظ كبده في الطشت بين يدي أهل بيته. ولم يعد ذلك الطشت مجرّد إناءٍ، بل غدا وعاءً احتضن صبر الإمام، وغدر الأمّة، ولوعة أختٍ ترى أخاها يموت مظلومًا في بيت أبيه.
ثم مضت السنون، فإذا بها تقف أمام كفَّيْن كانتا يومًا رايةً للعزّة، وسندًا لظهر الحسين (عليه السلام)، فإذا بهما مقطوعتان على ضفاف العلقمي. هناك لم تكن زينب تبكي يدين قُطعتا، بل كانت تبكي أخًا كان حضوره يصب الطمأنينة في قلبها، فإذا رأته شعرت أنّ الدنيا ما زالت بخير، فسقطت الكفّان... وبقيت الأخوّة شامخةً لا تسقط.
ثم جاءت الفاجعة التي انحنت أمامها الفواجع، لتقف زينب (عليها السلام) أمام طَشتٍ آخر، لكنّه هذه المرّة لم يحتضن كبدًا، بل احتضن رأس الحسين (عليه السلام). الرأس الذي طالما رأته ساجدًا بين يدي الله (تعالى) ، أصبح يُرفع على الرماح، ثم يُوضع في الطشت، وتتناوله خيزرانة يزيد، ناشدًا أبياتًا ملؤها الشماتة، كاشفًا عمّا كان يضمره في صدره من أحقاد الجاهليّة:
ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا ** جزعَ الخزرجِ من وقعِ الأسلِ
لأهلّوا واستهلّوا فرحًا ** ثم قالوا: يا يزيدُ لا تُشَلْ
قد قتلنا القِرْمَ من أشياخهم ** وعدلناه ببدرٍ فاعتدلْ
لعبت هاشمُ بالمُلكِ فلا ** خبرٌ جاء ولا وحيٌ نزلْ
، ولم تكن تلك الأبيات كلماتٍ عابرة، بل كانت ترجمةً صريحةً لما أخفته القلوب، وإعلانًا لا لبس فيه عن عداءٍ للرسالة التي جاء بها محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، فخرج ما كان مستورًا على لسان قائله في مجلسٍ تعالت فيه ضحكات الشامتين، وكأنّ الأمّة لم تكتفِ بقتل الحسين (عليه السلام)، حتّى أمعنت في إيلام قلب أخته.
وما بين طشت المدينة وطشت الشام... كانت كفّا العبّاس، وما بين الكفَّين في كربلاء... كانت زينب... لم تنكسر، ولم تتراجع، ولم تكل، ولم تهن، فحقّ لها أن تُسمّى جبلَ الصبر، وأمَّ المصائب؛ فما عرفت الإنسانيّة أختًا دفعت ثمن الأخوّة كما دفعته زينب بنت عليّ (عليهما السلام).
فالسلامُ على جبل الصبر، ورمزِ العفّة، وهيبةِ النساء، وعقيلةِ الهاشميّين. السلامُ على الحوراء زينب (عليها السلام)، يوم وُلِدت عالمةً غيرَ معلَّمة، ويوم رحلت وقد أرهقت الأحزانُ قلبَها، وأنحلت المصائبُ جسدَها، ويوم تُبعث شاهدةً على ما أُلحق بأهل بيت النبوّة (صلوات الله عليهم أجمعين) من ظلمٍ وعدوان. سلامٌ عليها يوم صبرت، ويوم خطبت، ويوم حفظت رسالة الحسين (عليه السلام)، وجعلت من صبرها منارةً تهتدي بها الأجيال إلى قيام الساعة، وبرهانًا على أنّ الحقَّ قد يُؤذى، لكنّه لا يموت.

✦ كتابات في الميزان ✦

يبني النص صورة السيدة زينب (عليها السلام) من خلال سلسلة الآلام التي رافقتها منذ طفولتها، موضحًا كيف صاغت مواقف جدّها وأمها وأبيها قوة شخصيتها وثباتها. ويختزل عنوان «بين طشتين وكفّين» ثلاث محطات موجعة: كبد الإمام الحسن، وكفّا أبي الفضل العباس، ورأس الإمام الحسين (عليهم السلام). وبين هذه المصائب بقيت زينب شامخة، تحمل رسالة أهل البيت وتحول الحزن إلى موقف وكلمة ووعي. فالنص لا يرثي أمَّ المصائب فحسب، بل يقدم صبرها دليلًا على أن الحق قد يُحاصَر ويُؤذى، لكنه لا يموت.

السيدة زينب.jpg