حربٌ... وطمأنينة

لم أكن طفلةً هذه المرّة، بل كنتُ قد دخلت الثلاثين من عمري، أحمل لقب دكتورةٍ في القانون، وأعرف من التاريخ ما يكفي لأدرك كيف تبدأ الحروب، وكيف تنتهي، وكم روحًا تبتلع قبل أن تكتب سطرها الأخير. لكنّني، على نحوٍ لا أفهمه، وجدتُ نفسي أعود إلى العراق في الأيام الأولى من الحرب الأمريكيّة على العراق عام ٢٠٠٣.
لم أعرف كيف عدت، ولا لماذا كنت هناك، لكنّني كنت أعلم شيئًا واحدًا... أنّني جئتُ من المستقبل.
لا أدري كيف وصلتُ إلى هناك، كلُّ ما أعرفه أنّني لم أكن بعمري الحقيقي، كأنّ السنوات مرّت بي في لحظة، وكأنّني جئتُ من زمنٍ لم يولد بعد.
كنتُ أحمل في داخلي معرفةً لا يملكها أحد؛ أعرف ما سيقع، وأعرف أنّ الحرب بدأت، وأنّ السماء بعد دقائق ستُنزل نارها، وفجأة... استيقظتُ على صوتٍ لم يكن يشبه الأصوات، بل يشبه انشقاق الأرض. رفعتُ رأسي بصعوبة، فإذا بي بين مجموعةٍ من الفتيان والفتيات، لا يتجاوز أكبرهم الثامنة عشرة من عمره. كانوا طلبةَ مدرسةٍ ثانويةٍ مختلطة، لكنّ المدرسة لم تعد مدرسة.
كانت النوافذ قد اختفت، والجدران تهاوت، والزجاج تناثر كأنّه مطرٌ من سكاكين. كان الجميع منبطحين على الأرض، لا خوفًا فقط، بل لأنّ القصف كان قريبًا جدًا.
رأيتُ شابًا يمسك وجهه، والدم يسيل بين أصابعه بعدما أصابته شظية. وآخر يحدّق في يده المصابة وكأنّه لا يصدّق أنّها ما زالت متصلةً بجسده. وكانت فتاةٌ تبكي بصمت، تنظر حولها تبحث عن صديقتها بين الغبار، والدخان.
أمّا شبابيك المدرسة، فقد كانت ملقاةً على الأرض، والجدران المفتوحة جعلت الصفوف تبدو كأنّها بلا أسرار، وكلُّ شيءٍ صار مكشوفًا أمام الحرب.
وقفتُ بينهم، وأنا الوحيدة التي تعرف أنّ هذه ليست البداية، وأنّ القادم أشدّ. بعدها خرجتُ من بين الصفوف، والفوضى... راكضة مع الناس. كانت المدرسة واسعةً جدًّا، على الرغم من أنّ بناءها قديمٌ بسيط، لكنّه كان متماسكًا قبل أن تعبث به الحرب... رأيت الناس يركضون في كلّ اتجاه، لا يعرف أحدٌ أين يذهب، ولا ممّن يهرب.
وكانت الأخبار تتناقل بسرعةٍ بين الجميع: "الجنود سيقتحمون المكان." وفجأةً أصبح كلُّ إنسانٍ ينادي نفسه، فلم يعد أحدٌ يفكّر إلّا بالنجاة. حتّى إنّ أفضل مكانٍ للاختباء لم يكن القاعات الدراسيّة، بل دورات المياه؛ لأنّ أبوابها تُغلق بالمفاتيح. فركضتُ معهم أبحث عن أيّ شيءٍ قد ينجيني. لكنّني في أعماقي، بالرغم من أنّني كنت ألبّي غريزة البقاء، كنتُ أعلم أنّه لا منجى إلّا بالله (تعالى) ولو اجتمع أهل الأرض جميعًا على أن يؤذوني، فلن يصيبوني إلّا بما شاء الله (تعالى).
وجدتُ إحدى دورات المياه المصطفّة جنبًا إلى جنب.
دخلتُ بسرعة، وكانت يداي ترتجفان وأنا أحاول إغلاق الباب بإحكام. كانت الغرفة واسعةً على بساطتها، جدرانها بلا طلاء، لكنّها نظيفة، مغسولة، ورائحة الماء فيها تبعث على الطمأنينة بطريقةٍ غريبة، كأنّ الحرب لم تصل إليها بعد.
بعد ثوانٍ قليلة، انتبهت أنّني لم أكن وحدي، فقد وجدت امرأةً شابّة، لم يتجاوز عمرها العشرين فيما بدا لي، كانت ملتحفةً بعباءتها العراقيّة الأصيلة، وتضمّ إلى صدرها طفلًا رضيعًا، كأنّها تحتضن الحياة كلّها بين ذراعيها. رفعت بصرها إليّ، وأخذت تحدّق في وجهي طويلًا. شعرتُ لوهلةٍ أنّها تنظر إلى هيئتي، وإلى ملابسي المرتّبة، وإلى الوقار الذي منحته لي سنواتٌ لم تعشها هي بعد. وربّما ظنّت أنّني أعيش الحياة التي كانت تتمنّاها لكنّها لم تكن تعلم...
لم تكن تعلم أنّ وراء تلك الثياب قلبًا أنهكته السنوات، وأنّ الحرب التي كانت بالنسبة إليها تبدأ الآن، كانت بالنسبة إليّ ذكرى قديمة لم تبرح قلبي.
اقتربتُ منها بهدوء، وحرصتُ ألّا أثير دهشتها، أو أجعلها تشعر بأنّني غريبة ثم سألتها سؤالًا لا أدري كيف خرج من لساني في تلك اللحظة: "لو أصبحتِ في الثلاثين من عمرك... ماذا كنتِ ستختارين؟ أن تكوني معلّمةً لأطفالٍ في مدرسةٍ ابتدائيّة، أم أستاذةً تُخرّج أجيالًا في الجامعة، أم أمًّا تبني الأجيال؟" لم تتردّد، نظرت إلى طفلها الراقد بين ذراعيها، ثم ابتسمت ابتسامةً خافتة، وقالت: "لو كتب الله (تعالى) لي البقاء... لاستقلتُ من كلِّ ما يمنعني عن ابني، سأختار العيش معه، وأن أشيخ وهو أمام عيني." ساد الصمت.
لكنّ كلماتها لم تمرّ عابرة، لقد ملأت قلبي بحنينٍ لم أشعر به من قبل... حنينٍ إلى شيءٍ لا أملكه أصلًا. فأنا ما زلتُ أشقُّ طريقي بين الكتب، والجامعة، والبحث، والتدريس، ولم أنفكّ يومًا لأتفرّغ لبناء أسرة. وللمرّة الأولى، شعرتُ أنّ هناك أحلامًا لا تُقاس بالشهادات. حاولتُ أن أبتعد عنها قليلًا.
لم يكن ابتعادًا عنها، بل عن ذلك الشعور الذي أخذ يكبر بيننا، شعورٌ بأنّ في الأمر سرًّا يكاد يُكتشف. كنتُ أخشى أن تطيل النظر في عينيّ، فتدرك أنّني لستُ ابنة هذا الزمن الحاضر.
وبينما أنا كذلك، وقع بصري على رجلٍ يقف غير بعيد (كان يلبس قميصًا وبنطالًا بسيطين، ولم يكن يحتاج إلى حلّةٍ رسمية ليبدو مهيبًا؛ فقد كانت هيبته تسبق ثيابه... ليس كما في عالمي حيث كثرت الحُلَل، وقلّت الأرواح الرحمانيّة) لم يكن يتأمّل شكلي، بل كان يتأمّلني أنا كأنّه يقرأ شخصيّتي، لا ملامحي. كانت لحيته تكسو وجهًا يفيض وقارًا، وفي قسماته سيماء الصالحين. نظرتُ إليه، وكأنّني أسأله بصمت:
"أتحتاج شيئًا؟" فابتسم. وقال كلماتٍ لا أذكرها بحروفها، لكنّ معناها ما زال يسكنني. كان يثني على شخصيّتي. وكأنّه يقول:
"أنتِ تدريسيّة... وإن لم تخبريني بذلك. هدوؤك، وأدبك، وطريقة حديثك، ووعيك... كلّها تشهد لك."
ثم أضاف ما لم أنسه قط. قال إنّني، رغم كلّ ما يبدو عليّ من نضج، ما زلتُ أحمل في داخلي براءة طفلة.
تعجّبت! كيف استطاع أن يرى ما يقال لي في وقتنا اللاحق؟ وكأنّه لم ينظر إلى وجهي... بل إلى روحي، كأنّه يعرفني منذ زمنٍ ليس قصيرًا.
كنّا نحن الثلاثة محاصرين داخل هذه الغرفة... 
امرأةٌ لا ترى من الدنيا إلّا طفلها.
ورجلٌ يقرأ الأرواح قبل الوجوه.
وأنا... امرأةٌ تحاول ألّا يكتشف أحدٌ أنّ الزمن أخطأ حين أعادها إلى هنا.
في النهاية...
أسندتُ ظهري إلى الحائط، وأغمضتُ عينيّ؛ إذ كان الخوف ما يزال في الخارج لكنّه لم يعد في داخلي.
حينها أيقنتُ أنّ الطمأنينة لا يصنعها المكان، ولا الجدران، ولا الأبواب المغلقة إنّها تنبع من الداخل... ثم تكبر بمن يحيطون بك، فالأمان لا يحطّ رحاله حيث تهدأ الحروب، بل حيث تسكن القلوب، و حيث تكون الوجوه طيّبة، وحيث يرسل الله (تعالى) إلى الإنسان من يؤنس وحشته في أشدّ ساعات الخوف ثم استيقظت.
اكتشفتُ أنّ كلّ ذلك لم يكن سوى حلم. لكنّني لم أستيقظ خائفة، بل استيقظتُ هادئة... وكأنّ الحلم لم يأتِ ليحدّثني عن الحرب، بل ليعلّمني أنّ الإنسان قد ينجو أحيانًا بيقينه أكثر ممّا ينجو بسلاحه، وبسكينته أكثر ممّا ينجو بتدبيره، وأنّ الله (تعالى) إذا أنزل الطمأنينة في قلب عبدٍ، ضاقت حوله الدنيا أو اتّسعت، فلن تُهزم روحه. 

✦ كتابات في الميزان ✦

نصٌّ سرديّ يمزج بين ذاكرة حرب عام 2003 ورحلةٍ حلمية تعود فيها الراوية إلى زمن الخوف، محمّلةً بوعي المستقبل وثقل التجربة. وبين أمٍّ ترى حياتها في طفلها ورجلٍ يقرأ الأرواح، تكتشف أن الأمان لا تمنحه الجدران المغلقة، بل يصنعه اليقين بالله وصفاء القلوب. وينتهي الحلم برسالة مؤثرة مفادها أن الطمأنينة قد تنتصر داخل الإنسان، حتى حين تكون الحرب مشتعلةً من حوله.

حرب.jpg