ليسَ كلٍ غنيٍ فاسد، وليسَ كلّ فقيرٍ صالح، فالغنى والفقرُ ليسا معيارا للأخلاق، لكنْ هناكَ ثروات تثيرُ سؤالاً لا يمكنُ تجاهله: كيفَ أصبحَ صاحبها غنيا؟ ومنْ أينَ جاءهُ هذا المال؟ ففي زمنٍ أصبحَ فيهِ بعضُ الناسِ أثرياءَ بينَ ليلةٍ وضحاها، بعدَ أنْ كانوا لا يملكونَ إلا القليل، يصبحُ السؤالُ مشروعا،- خصوصا- عندما لا تكونُ هناكَ تجارةٌ معروفة، ولا إرثٌ كبير، ولا عمل يفسرُ هذهِ الثروة المفاجئة.
إنَ المالَ الحرامُ لا يأتي دائما في صورةِ سرقةٍ واضحة، بلْ لهُ أسماء كثيرة، وألوان متعددة، وطرق تتغيرُ معَ تطورِ الحياة. فقدْ يكونُ رشوة، أوْ اختلاسا، أوْ ربا، أوْ غشا، أوْ تزويرا، أوْ نصبا واحتيالا، أوْ استغلالاً للوظيفةِ والنفوذ، أوْ سرقةٍ للمالِ العام، أوْ عمولاتٍ غيرِ مشروعة، أوْ تلاعبا بالمناقصاتِ والعقود، أوْ تضخيما لأسعارِ المشاريع، أوْ مشاريعَ وهمية، أوْ شراءٍ للأصوات، أوْ غسلِ أموال، أوْ تهربٍ ضريبيٍ قائمٍ على التزوير، أوْ احتيالا إلكترونيا، أوْ اتجارا بالممنوعات. قدْ تتغيرُ شكل الجريمة، لكنَ جوهرها واحد: مال أخذ بغيرِ حق، فقديما كانَ الفاسد يضعُ المالَ في جيبه.
أما اليوم، فقدْ يضعهُ في شركةٍ وهمية، أوْ عقار مسجل باسمِ آخرين، أوْ حسابٍ مصرفي، أوْ مشروع استثماريّ ظاهره مشروع، وباطنه غسيل للمالِ الحرام، ولهذا لمْ يتركْ القرآنُ الكريمُ قضيةَ المالِ بلا ضوابط، فقالَ تعالى: (ولا تأكلوا أموالكمْ بينكمْ بالباطل) البقرة: 188، وكذلكَ في قولهِ قالَ سبحانهُ وتعالى: ( يا أيها الذينَ آمنوا لا تأكلوا أموالكمْ بينكمْ بالباطلِ إلا أنْ تكونَ تجارةٌ عنْ تراضٍ منكم) النساء: 29.
ربما يبني المالُ الحرامُ قصرا، لكنهُ لا يبني راحةً في القلب، قدْ يشتري النفوذ، لكنهُ لا يشتري البراءةَ أمامَ الله، قدْ يجعلُ صاحبهُ غنيا في الدنيا، لكنهُ لا يعفيه منْ سؤالٍ سيأتي حتما:
منْ أينَ اكتسبَ المال؟ وفيمَ أنفقه؟
معَ ذلك، فإنَ الإسلامَ لا يغلقُ بابَ التوبةِ أمامَ منْ أخطأ. قالَ تعالى: ( قلْ يا عباديَ الذينَ أسرفوا على أنفسهمْ لا تقنطوا منْ رحمةِ الله، إنَ اللهَ يغفرُ الذنوبَ جميعا) الزمر: 53، لكنَ التوبةَ الحقيقية، ليستْ أنْ يحتفظَ الإنسانُ بالمالِ الحرام، ثمَ يطلبُ المغفرةَ بلسانه.
كلمة التوبة بمعناها الدقيق، أنْ يندم، ويتوقف، ويردَ الحقوقَ إلى أصحابها، ويتخلصُ منْ المالِ الذي جمعهُ بغيرِ حق، ويبدأ- منْ جديد- فكمْ منْ إنسانٍ يملكُ القليل، لكنهُ ينامُ مطمئنّ القلب، وكمْ منْ إنسانٍ يملكُ الملايين، لكنهُ يخافُ منْ كلِ بابٍ يطرق، وكلّ ملفٍ يفتح، وكلّ مظلومٍ يرفعُ يديهِ إلى السماء، ربما المالُ الحلالُ قدْ يكونُ قليلا، لكنهُ مبارك. إن المالُ الحرام؛ فقدْ يكونُ كثيرا، لكنهُ يحملُ في داخلهِ حقوقا مسلوبة، ودموعا مخفية، ودعواتِ مظلومين.
في النهاية، ليستْ العبرة بأنْ يموتَ الإنسان، وهوَ يملكُ أكثر، بلْ إنَ يموت، وهوَ يحملُ أقلَ قدرٍ منْ حقوقِ الناسِ في ذمته، فالمالُ الذي جمعتهُ بيدك قدْ يرفعك في الدنيا، أما المالُ الذي جمعتهُ بغيرِ حق، فقدْ يكون- هوَ نفسه- ما يثقلُ ميزانك يومَ القيامة. وما اللهُ غافل عما تعملون؟ البقرة: 74. صدقَ اللهُ العظيم.
✦ كتابات في الميزان ✦
يؤكد المقال أن الغنى ليس دليل فساد، كما أن الفقر ليس معيارًا للصلاح، لكن الثروات المفاجئة تجعل السؤال عن مصدر المال حقًا مشروعًا. ويستعرض صور الكسب الحرام الحديثة، من الرشوة والاختلاس إلى العقود الوهمية وغسل الأموال، مبيّنًا أن تغيّر الأساليب لا يغيّر جوهر الجريمة. ويخلص إلى أن التوبة الحقيقية لا تكتمل إلا بردّ الحقوق والتخلّص من المال غير المشروع، فالمال الحلال وإن قلّ يبقى أكثر بركة وطمأنينة.
