الصين والوساطة بين واشنطن وطهران: براغماتية الطاقة أم سعي إلى استقرار طويل الأمد؟

منذ انتصار الثورة الإيرانية عام 1979، ظلت العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران تدور في حلقة متكررة من التصعيد والعقوبات والمفاوضات، يعقبها تعثر أو انهيار للمسارات الدبلوماسية. وعلى امتداد أكثر من أربعة عقود، لم ينجح أي طرف في كسر هذه الدائرة بصورة نهائية.
وفي السنوات الأخيرة برزت الصين لاعباً أكثر حضوراً في معادلات الشرق الأوسط، مستفيدة من تنامي نفوذها الاقتصادي وعلاقاتها المتوازنة مع معظم أطراف المنطقة. ومن هنا يبرز سؤال سياسي مهم: هل تسعى بكين إلى التوصل إلى تسوية حقيقية بين واشنطن وطهران، أم أن هدفها الأساسي هو منع تحول الأزمة إلى صراع واسع يهدد مصالحها الاستراتيجية؟
أولاً: لماذا تتحرك الصين؟
يصعب تفسير السياسة الصينية في الشرق الأوسط بمنطق المبادرات الإنسانية أو الأيديولوجية، إذ تحكمها بالدرجة الأولى ثلاثة اعتبارات استراتيجية.
أولها أمن الطاقة. فالصين تعد أكبر مستورد للطاقة في العالم، ويعتمد جزء مهم من وارداتها النفطية على استقرار الخليج العربي. كما يمر عبر مضيق هرمز جانب كبير من تجارة النفط والغاز العالمية، ما يجعل أي مواجهة عسكرية واسعة تهديداً مباشراً للنمو الاقتصادي الصيني وسلاسل التوريد والصناعة. ومن هذا المنطلق، يصبح استقرار الخليج مصلحة اقتصادية صينية قبل أن يكون قضية سياسية.
أما الاعتبار الثاني، فيتمثل في تعزيز الحضور الدولي للصين. فقد أظهرت رعايتها لاستئناف العلاقات السعودية الإيرانية عام 2023 قدرتها على لعب أدوار دبلوماسية مؤثرة في منطقة اعتادت الولايات المتحدة أن تكون اللاعب الخارجي الأكثر حضوراً فيها. وتسعى بكين إلى ترسيخ صورة القوة القادرة على المساهمة في إدارة الأزمات الدولية عبر الحوار أكثر من الضغوط العسكرية.
أما الاعتبار الثالث، فهو البعد الاستراتيجي في المنافسة مع الولايات المتحدة. فكلما انشغلت واشنطن بأزمات الشرق الأوسط، خف الضغط الأمريكي على ملفات تمثل أولوية للصين، وفي مقدمتها منطقة المحيطين الهندي والهادئ وتايوان. ومن ثم، فإن استقرار المنطقة يخدم بكين اقتصادياً، بينما يمنحها في الوقت نفسه مساحة أوسع لتعزيز نفوذها العالمي.
ثانياً: أدوات الوساطة الصينية
تعتمد الصين أسلوباً مختلفاً عن الدبلوماسية الغربية التقليدية، يقوم على الاتصالات الهادئة والقنوات الخلفية أكثر من المؤتمرات العلنية.
فعلى المستوى الدبلوماسي، تستفيد من علاقاتها مع دول تمتلك قنوات اتصال مع الطرفين، مثل سلطنة عمان وباكستان، بما يسمح بتبادل الرسائل بعيداً عن الإعلام.
وعلى المستوى الاقتصادي، تمتلك بكين أوراقاً مهمة بحكم علاقاتها التجارية مع إيران، وفي الوقت نفسه مصالحها الاقتصادية الواسعة مع الولايات المتحدة ودول الخليج. وهذا يمنحها قدرة على تشجيع التهدئة من خلال الحوافز الاقتصادية أكثر من الاعتماد على سياسة الضغوط والعقوبات.
كما تحرص الصين في خطابها السياسي على التأكيد المستمر على مبادئ احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وهو خطاب يجعلها مقبولة نسبياً لدى مختلف الأطراف، حتى وإن كانت قدرتها على التأثير العملي تبقى محدودة مقارنة بالقوى المنخرطة مباشرة في الصراع.
ثالثاً: لماذا يصعب تحقيق تسوية شاملة؟
ورغم ما تملكه الصين من أدوات سياسية واقتصادية، فإن فرص الوصول إلى سلام دائم بين واشنطن وطهران ما تزال محدودة لعدة أسباب.
أولها الإرث الطويل من انعدام الثقة. فقد ترك انهيار الاتفاق النووي بعد الانسحاب الأمريكي منه عام 2018 آثاراً عميقة لدى الطرفين، إذ تطالب طهران بضمانات تحول دون تكرار التجربة، بينما ترى واشنطن أن برنامج إيران النووي وسلوكها الإقليمي يثيران مخاوف يصعب تجاوزها بسهولة.
أما السبب الثاني، فيرتبط بطبيعة السياسة الخارجية الصينية نفسها. فبكين تفضل الوساطة التي تقوم على تقريب وجهات النظر، لكنها تتحفظ عادة على ممارسة ضغوط سياسية مباشرة على أي طرف، خشية أن يتعارض ذلك مع مبدأ عدم التدخل الذي تدافع عنه في قضايا تمس أمنها القومي.
ويبقى العامل الثالث هو استمرار التوترات الميدانية في المنطقة، سواء في البحر الأحمر أو الخليج أو الملف النووي الإيراني، إذ إن أي حادث أمني كبير قد يعيد التصعيد ويقوض أي تقدم دبلوماسي يتحقق.
الخلاصة: استقرار يخدم المصالح أكثر من سلام نهائي
يبدو أن الخلاف الأمريكي الإيراني يتجاوز كونه أزمة يمكن حلها باتفاق واحد، فهو يرتبط بتباين عميق في الرؤى الأمنية والاستراتيجية لكلا الطرفين.
لذلك، فإن ما تستطيع الصين تحقيقه، إذا نجحت في توسيع دورها، ليس إنهاء هذا الصراع، بل المساهمة في احتوائه ومنع تحوله إلى مواجهة عسكرية مفتوحة، بما يتيح استمرار الحوار وتقليل مخاطر الانفجار الإقليمي.

وبالنسبة لبكين، فإن هذا الاستقرار ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لحماية أمن الطاقة، وضمان استمرار مشاريعها الاقتصادية، وتعزيز حضورها الدولي بوصفها قوة تفضل التنمية والحوار على المواجهة.
وفي الشرق الأوسط اليوم، لم يعد نجاح الوسيط يقاس بحياده المطلق، بل بقدرته على حماية مصالحه عبر منع الانفجار. ومن هذه الزاوية، تبدو الصين من بين أكثر القوى الدولية حرصاً على إبقاء الصراع تحت سقف الاحتواء، حتى وإن ظل الوصول إلى تسوية نهائية أمراً بعيد المنال.

✦ كتابات في الميزان ✦

يناقش الكاتب دوافع تحرّك الصين بين واشنطن وطهران، مؤكداً أن حماية أمن الطاقة ومنع اضطراب الخليج تتصدران المصالح الصينية. ويرى أن بكين تسعى بالتوازي إلى تعزيز حضورها الدولي بوصفها قوة قادرة على احتواء الأزمات بالحوار. ويخلص المقال إلى أن الصين قد تنجح في منع المواجهة العسكرية، لكنها لا تمتلك حتى الآن أدوات تحقيق تسوية نهائية بين الطرفين.

الصين_ايران.webp