لا يمكن لأي دولة أن تتحدث عن أمنها واستقرارها وهي تغفل عن أمنها الغذائي. فالزراعة ليست قطاعًا اقتصاديًا فحسب، بل هي خط الدفاع الأول عن قوت المواطن، وأحد أهم مقومات السيادة الوطنية. لذلك فإن استمرار إهمال هذا القطاع لا يمثل أزمة تخص المزارعين وحدهم، بل تهديدًا يمس المجتمع بأكمله.
المزارع العراقي اليوم يواجه تحديات متراكمة؛ فتكاليف الإنتاج ترتفع باستمرار، من الأسمدة والبذور إلى مستلزمات الري والوقود، بينما تبقى عائدات المحاصيل غير قادرة على تعويض ما أنفقه طوال موسم الزراعة. ومع غياب الدعم الحقيقي، أصبح كثير من المزارعين أمام خيارين أحلاهما مر: ترك الأرض بورًا أو بيعها وتحويلها إلى أراضٍ سكنية، في مشهد يعكس حجم الخسارة التي تلحق بالقطاع الزراعي عامًا بعد آخر.
إن خسارة الأرض الزراعية ليست مجرد تغيير في استعمالاتها، بل خسارة لمصدر رزق آلاف العائلات، وتراجع في الإنتاج المحلي، واتساع في فجوة الاعتماد على الخارج. كما أن هجرة الفلاحين إلى المدن بحثًا عن فرص عمل تزيد من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، في الوقت الذي كان يمكن فيه للزراعة أن تكون مصدرًا لخلق فرص العمل والحد من البطالة.
وفي المقابل، يزداد الاعتماد على استيراد المحاصيل والخضروات حتى في المواسم التي يستطيع فيها المنتج المحلي تلبية جانب كبير من حاجة السوق. وهذه السياسة لا تضعف المزارع فحسب، بل تستنزف الاقتصاد الوطني وتمنح الأفضلية للمنتج الأجنبي على حساب المنتج العراقي، الذي يستحق الحماية والدعم.
إن النهوض بالزراعة لا يحتاج إلى شعارات، بل إلى قرارات عملية تبدأ بتوفير القروض الميسرة، ودعم مستلزمات الإنتاج، وتحسين أنظمة الري، وحماية المنتج المحلي من الإغراق بالاستيراد، مع اعتماد سياسات زراعية واضحة تمنح المزارع الثقة بأن جهده لن يضيع بين ارتفاع التكاليف وضعف التسويق.
الأرض العراقية أثبتت عبر التاريخ قدرتها على العطاء، لكنها تحتاج إلى من يرعاها ويستثمر فيها. وعندما يصبح دعم الزراعة أولوية وطنية، فإن العراق لن يحقق الاكتفاء الذاتي فحسب، بل سيعزز اقتصاده، ويوفر فرص العمل، ويضمن أن يبقى غذاء شعبه نابعًا من أرضه، لا مرهونًا بما تأتي به الأسواق الخارجية. فالاستثمار في الزراعة ليس إنفاقًا إضافيًا، بل استثمار في مستقبل الوطن وأمنه الغذائي.
✦ كتابات في الميزان ✦
ينبّه المقال إلى أن إهمال الزراعة لا يهدد المزارع وحده، بل يضع الأمن الغذائي والسيادة الاقتصادية للعراق أمام مخاطر حقيقية.
ويعرض معاناة الفلاح من ارتفاع كلف الإنتاج وضعف التسويق والمنافسة غير المتكافئة مع المحاصيل المستوردة، بما يدفعه إلى هجر أرضه أو بيعها.
ويرى أن حماية المنتج المحلي تستلزم قروضًا ميسرة، ودعم البذور والأسمدة، وتطوير وسائل الري، وتنظيم الاستيراد وفق حاجة السوق.
ويخلص إلى أن الاستثمار في الأرض العراقية هو استثمار في فرص العمل والاكتفاء الذاتي ومستقبل الوطن، لا عبء إضافي على الموازنة.
