زيارة الإمام الحسين "عليه السلام" .. تأملات ودروس معرفية

   إنَّ المتتبع للروايات الكثيرة الواردة عن المعصومين "عليهم السلام" فيما يتعلق بزيارة الإمام الحسين "عليه السلام" من جوانبها المتعددة تؤكد أمورًا عظيمة تم التخطيط الإلهي لها، انطلاقًا من النصوص الشرعية منذ زمن التشريع، فمثلًا (الدعوة المعرفية للزيارة) وما يتعلق بالزائر وضرورة الارتقاء به معرفيًّا.
روي عن الإمام جعفر الصادق "عليه السلام": ((مَنْ أَتَى الْحُسَيْنَ "عليه السلام" عَارِفًا بِحَقِّهِ، كَتَبَهُ اللهُ فِيْ أَعْلَى عِلِّيِّيْنَ)). [ثواب الأعمال، الشيخ الصدوق، ص٨٥]
 وعند التأمل في الحديث الصادقي الحسيني الشريف يمكن بيان الآتي بإيجاز : 
١-  إنه يدعو إلى الزيارة القائمة على المعرفة، أي الزيارة القائمة على العقيدة التي يمكن من خلالها أنْ يكون الزائر على معرفة بتلك الحقوق الإلهية التي جعلها الله تعالى لحجته في أرضه الإمام المعصوم، وفي ذلك حث على الارتقاء بالزائر من مرحلة الزيارة الموروثة من الأبوين أو البيئة أو العاطفة إلى الزيارة القائمة على المعرفة والعقيدة، والتي تجعل الزائر يخاطب الإمام في زيارته بكُلِّ صدق وإخلاص واعتقاد مثلًا (بأبي أنتم وأمي ونفسي وأهلي ومالي وولدي)، وهذا الأمر (الزيارة المعرفية) يحتاج إلى جهود مختلفة ذاتية وغيرها.

٢-  إنَّ المنزلة الرفيعة للزائر بالدرجات العليا في الحديث إنما مشروطة بتلك المعرفة بحق الإمام على العباد، وليس عامة الزيارة، نعم إنَّ للزيارة عامة ثوابًا عظيمًا ولكن خصوص (أعلى عليين) تحتاج إلى أمور أخرى يكون الزائر عليها للحصول عليها، وفي ذلك دعوة لتنمية الزائر واستعداده لنيل تلك الدرجات، وفيها آثار كبيرة في بناء الشخصية الحسينية.

٣-  إنَّ هذا الحديث يؤكد على ضرورة بناء الأمة المرتبطة بسيد الشهداء "عليه السلام"، وما يتعلق بنهضته المقدسة الخالدة من آثار كبيرة في الدفاع عن العقيدة، وعن الدين وتعاليمه، وعدم التهاون في ذلك، وهي ضرورة لا بد للزائر أنْ يكون على بيِّنة منها، فحقيقة الزيارة هو (عهد مع المعصوم)، وليس كلمات يقرؤها وينتهي الأمر.

٤-  إنَّ هذه التمسك من المؤمنين بالزيارات وخصوصًا زيارة الإمام الحسين "عليه السلام" وما تم تقديمه من تضحيات كبيرة بالأنفس والأولاد والأموال يؤكد مدى تأثير تلك الدماء الزاكية في الأمة على مدى التاريخ من جهة، ويوجب على أولياء أمور الأمة مدى العناية الكبيرة بما يتعلق بالزيارة وتنظيمها والارتقاء بها معرفيًّا وعقديًّا واجتماعيًّا من جهة أخرى؛ ليبقى ذلك الولاء راسخًا في الأجيال.

٥-  إنَّ هذا الإنفاق الكبير الذي يقوم به المؤمنون معنويًّا وماديًّا وفي جميع الاتجاهات فيه رسالة كبيرة على مدى تماسك المجتمع حول القضية الحسينية من جهة، ومدى أمكانية هذه القضية على توحيد الناس على اختلافهم من جهة ثانية، وعلى إيجاد قوة عقدية ومجتمعية يمكن لها أنْ تؤثر في الأمة من جهة ثالثة، وإثبات وجودها أمام الأعداء والمنافقين من جهة رابعة، وإيصال الصوت الحسيني الإنساني الخالد إلى العالم كله.

 أخيرًا  .. 
 إنَّ الزيارة هي عهود عقائدية ولا بد من الزائر أن يكون على بينة من ذلك في الزيارة وبعد الانتهاء منها، وأنْ زائر الإمام الحسين "عليه السلام" هو يحمل رسالة عاشوراء للأمة، وعليه أنْ يكون أهلًا لذلك كما كان أنصار سيد الشهداء.

الزيارة.jpg