وقفة

ليس كلُّ كلامٍ جميلٍ دليلًا على جمال صاحبه، ولا كلُّ موعظةٍ بليغةٍ شاهدًا على عمل قائلها.
كلُّنا – وأنا قبلك، وأنت أيُّها القارئ – نجيد الحديث إذا أردنا، ونُحسن اختيار الألفاظ، ونلفت الأسماع بحسن البيان، ورقّة الأسلوب، ولطافة التعبير. غير أنّ السؤال الذي ينبغي الوقوف عنده هو: ماذا يبقى من هذا الكلام حين يحين وقت التطبيق؟ فالكلمات يسيرة، أمّا الأفعال فهي الميزان.
وربّما كان بعض ما يُقال بحثًا عن الاستحسان، أو رغبةً في التميّز، أو محاولةً لسدّ فراغٍ في النفس؛ فتكثر الأحاديث عن الفضائل، بينما تعجز الجوارح عن حملها. ومن هنا، فإنّ بلاغة الإنسان، وحسن منطقه، وكثرة مواعظه، ليست وحدها معيارًا لمعرفة حقيقته؛ فالقلوب لا تُعرف بما تقول، بل بما تصنع، والإنسان إنّما يُوزن عند الامتحان، لا عند البيان.
 
ومع هذا كلِّه، فإنّ الشريعة لم تُكلّفنا بشقِّ الصدور، ولا بالحكم على السرائر، بل أمرتنا أن نحكم بالظاهر، وأن نُحسن الظنّ بالناس ابتداءً حتّى يثبت خلاف ذلك. فليس الحذر دعوةً إلى سوء الظن، كما أنّ حسن الظن لا يعني الغفلة عن الأفعال. وعدل المؤمن يظهر في جمعه بين سلامة الصدر، وحسن الفراسة، فلا يظلم أحدًا بظنّ، ولا يغترّ بأحدٍ لمجرّد حسن قوله.
وقد رسم لنا القرآن الكريم طريق المعاملة الحسنة، فقال (تعالى): "وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا".
وقال (تعالى): "وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا". 
وقال (تعالى): "ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ".
وقال (تعالى): "وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ".
وقال (تعالى): "هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ".
 
ولم يقف أهل البيت (عليهم السلام) عند حدود الدعوة بالكلام، بل جعلوا العمل البرهان الصادق على حقيقة الإنسان.
فقال الإمام الصادق (عليه السلام): "كونوا دُعاةً للناس بغير ألسنتكم."
وقال (عليه السلام): "زَيِّنُوا دِينَنَا بِالوَرَعِ وَالاجْتِهَادِ."
وقال أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام): "لا تنظروا إلى كثرة صلاتهم وصومهم، ولكن انظروا إلى صدق الحديث، وأداء الأمانة."
وقال (عليه السلام): "ثمرةُ العلمِ العملُ."
وقال (عليه السلام): "من حَسُنَ فعلُه حَسُنَ قولُه."
فهذه النصوص لم تكن مواعظ تُتلى، بل قواعد تُبنى عليها الحياة؛ لأنّ المؤمن لا يُعرف بحسن منطقه، وإنّما بما تشهد به أعماله.
غير أنّ الواقع يكشف أنّ كثيرًا من الناس يحفظون النصوص، ويُحسنون الاستشهاد بها، ثم لا يجد لها أثرًا في بيوتهم، ولا في تعاملهم مع أهلهم، وجيرانهم، وزملائهم، وسائر من يلقونهم. فيغدو أحدهم بليغًا في النصح، ضعيفًا في الامتثال، كريمًا في الوصف، بخيلًا في التطبيق. 
ولهذا، فإنّ جمال الكلام، ورقّة الابتسامة، وحسن المظهر، لا تكفي لمعرفة حقيقة النفوس؛ فالمواقف وحدها تكشفها، والأفعال هي التي تُترجم الأقوال.
وفي المقابل، فإنّ بناء الأحكام على الظنون ليس من العدل، كما أنّ العثرات الظاهرة لا تُسوّغ اتهام النيّات؛ إذ تبقى السرائر موكولةً إلى الله (تعالى)، ولا يملك العباد إلّا الحكم بما ظهر لهم.
وربّ كلمةٍ قليلةٍ خرجت من قلبٍ صادق، كانت عند الله (تعالى) أعظم أثرًا من خطبةٍ بليغةٍ لم يعمل صاحبها بحرفٍ منها.
فاللهم ارزقنا صدق القول، وإخلاص العمل، واجعل سرائرنا خيرًا من علانيتنا، وأعمالنا شاهدةً لأقوالنا، لا شاهدةً علينا.

✦ كتابات في الميزان✦

تضع هذه الوقفة القارئ أمام الفرق بين الكلام الجميل والعمل الصادق؛ فالإنسان لا تكشفه مواعظه، بل سلوكه حين يُختبر. وفي الوقت نفسه، تحذّر من تحويل الحذر إلى سوء ظن، لأننا نحكم على الأفعال الظاهرة ولا نفتّش في النيات. والرسالة الأوضح أن صدق القول لا يكتمل إلا حين تؤيده المواقف، في البيت والعمل ومع الناس.

وقفة.jpg