مع اتساع دائرة المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، لم يعد الأردن مجرد دولة مجاورة تراقب تطورات الإقليم من بعيد، بل وجد نفسه في قلب معادلة أمنية معقدة فرضتها الجغرافيا والتحالفات الاستراتيجية. فوجود تعاون عسكري وثيق مع الولايات المتحدة، وما يتردد عن استخدام منشآت عسكرية داخل الأردن في دعم العمليات الأمريكية، يضع المملكة أمام تحديات تتجاوز حدودها الوطنية.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كان الأردن يرغب في الانخراط في هذه الحرب، بل إلى أي مدى يستطيع أن يبقى بعيداً عن تداعياتها إذا تحولت أراضيه أو منشآته العسكرية إلى جزء من الحسابات الاستراتيجية للأطراف المتحاربة.
من منظور الولايات المتحدة، تمثل القواعد والمنشآت العسكرية المنتشرة في المنطقة جزءاً من منظومة الردع والدفاع وحماية المصالح الأمريكية. أما من منظور إيران، فإن أي موقع تُستخدم إمكاناته في تنفيذ عمليات عسكرية ضدها قد يدخل، سياسياً أو عسكرياً، ضمن دائرة الأهداف المحتملة. وهنا تكمن حساسية الموقف الأردني، إذ يجد نفسه بين التزاماته الأمنية مع حلفائه وحرصه على عدم التحول إلى طرف مباشر في الصراع.
وتزداد هذه المعادلة تعقيداً بسبب الموقع الجغرافي للأردن، المحاط بفلسطين وسوريا والعراق والسعودية، وهي منطقة تتقاطع فيها مصالح القوى الإقليمية والدولية. وهذا الموقع منح المملكة أهمية استراتيجية كبيرة، لكنه جعلها أيضاً أكثر عرضة لتداعيات أي مواجهة عسكرية واسعة.
أمنياً، يعني تصاعد التوتر رفع مستوى الجاهزية العسكرية وتعزيز منظومات الدفاع الجوي، والاستعداد لمواجهة أي تهديد محتمل، سواء تمثل في صواريخ أو طائرات مسيرة أو عمليات تستهدف منشآت حيوية. كما يفرض ذلك أعباء مالية إضافية على دولة تواجه أصلاً تحديات اقتصادية وضغوطاً متزايدة على موازنتها.
أما سياسياً، فتسعى عمّان إلى الحفاظ على توازن دقيق بين تحالفاتها الدولية ومواقفها العربية الثابتة، وفي مقدمتها دعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني والدعوة إلى وقف التصعيد في المنطقة. وهذا التوازن أصبح أكثر صعوبة كلما اتسعت رقعة الحرب، لأن هامش المناورة يضيق مع ازدياد الضغوط المتبادلة من مختلف الأطراف.
ولا تقتصر التداعيات على الجوانب الأمنية والسياسية، بل تمتد إلى الاقتصاد أيضاً. فالتوترات الإقليمية تؤثر في حركة السياحة والاستثمار والنقل الجوي والبري، وترفع كلف التأمين والشحن، وتزيد من حالة الحذر لدى المستثمرين. كما أن أي تصعيد طويل الأمد قد ينعكس على خطط التنمية والنمو الاقتصادي في بلد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستقرار لجذب الاستثمارات.
ومع ذلك، فإن الأردن يمتلك فرصة لتحويل هذا الموقع الحساس إلى ورقة قوة دبلوماسية. فخبرته الطويلة في إدارة الأزمات، وعلاقاته المتوازنة مع مختلف الأطراف، تؤهله للقيام بدور فاعل في دعم جهود التهدئة ومنع اتساع رقعة الصراع، بدلاً من أن يكون مجرد متلقٍ لتداعياته.
إن أخطر ما في الحروب الإقليمية أنها لا تترك للدول الواقعة في قلب الجغرافيا ترف الحياد الكامل. فكلما اتسعت العمليات العسكرية، تقلصت المسافة بين الشريك الأمني والطرف المستهدف. ويبقى التحدي الحقيقي أمام الأردن هو الحفاظ على سيادته وأمنه الوطني، والوفاء بالتزاماته الاستراتيجية، من دون أن يتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات أو يدفع شعبه ثمن حرب لم يكن صاحب قرار في إشعالها.
✦ كتابات في الميزان ✦
يضع المقال الأردن أمام معادلة صعبة: تحالفه العسكري مع واشنطن يمنحه حمايةً ودعماً، لكنه قد يجعله جزءاً من حسابات الاستهداف إذا استُخدمت منشآته في عمليات ضد إيران. ويشرح أن الخطر لا يقتصر على الصواريخ والمسيّرات، بل يشمل السياحة والاستثمار والنقل والموازنة العامة. ويرى أن عمّان تحتاج إلى ضبط استخدام أراضيها وتفعيل دورها الدبلوماسي، كي لا يدفع شعبها ثمن حرب لم يقرر خوضها.
