إنَ نهب المال العام وإساءة استخدام السلطة ليسا أخطر ما تفعله منظومات الفساد في اي بلد، وإنما الاخطر من ذلك قدرتها المستمرة على التكيف مع الأزمات وإعادة إنتاج نفسها كلما اقتربت من لحظة مساءلة حقيقية. ذلك ان الفساد لا يسقط بسهولة، ولا يختفي بمجرد تصاعد الغضب او تبدل الخطابات، بل يتقن اعادة تشكيل نفسه عبر تغيير الوجوه وتبديل الشعارات وصياغة روايات جديدة توحي بان عهداً مختلفاً قد بدأ، بينما يبقى جوهر المنظومة على حاله.
عندما يتصاعد الغضب الشعبي ويصبح استمرار الوضع القائم مكلفاً، لا يكون الرد دائما ًهو الاصلاح الحقيقي، بل احياناً اعادة ترتيب المشهد، عندها تبدأ مرحلة مختلفة، تقدم فيها الوعود، وترفع فيها شعارات التغيير، ويعاد تشكيل الصورة العامة بطريقة توحي بان تحولاً كبيرا يجري.
في هذه اللحظة يصنع "البطل". شخص يقدم بوصفه القائد الاصلاحي القادر على مواجهة الفساد وكسر منظومته، ولا يكون بالضرورة خارج هذه المنظومة، لكن يتم تسويقه كعنوان للمرحلة الجديدة، لتفتح له المساحات الاعلامية، وتبرز تصريحاته، وتضخم قراراته، حتى يصبح في نظر كثيرين رمزاً للخلاص المنتظر.
لكن صناعة الصورة وحدها لا تكفي دائماً، ولكي تبدو الرواية أكثر اقناعاً، قد تتخذ خطوات تظهر وكأنها مواجهة جدية مع الفساد، لتفتح ملفات، وتعلن تحقيقات، وتتخذ اجراءات بحق بعض المسؤولين او المنتفعين، وهنا يظهر ما يمكن تسميته بـ "كبش الفداء". وفي كثير من الحالات، يكون بعض من يحاسبون متورطين فعلاً في مخالفات تستحق المحاسبة، لكن المشكلة لا تتوقف عند هذا الحد، والسؤال الاهم هو: هل تمتد المساءلة الى البنية التي سمحت بحدوث تلك المخالفات، ام انها تتوقف عند حدود افراد محددين؟
ذلك لان الاقتصار على اسماء معينة، مع بقاء شبكات النفوذ وآليات الفساد دون مساس، يجعل هذه الاجراءات أقرب الى اعادة ترتيب للمشهد منها الى تغيير حقيقي. إذ يتم تقديم بعض الضحايا لتخفيف الضغط الشعبي، وفي الوقت نفسه تمنح صورة "الاصلاح" دفعة اضافية من المصداقية، وبهذا الشكل يخدم "كبش الفداء" هدفين في ان واحد: امتصاص الغضب العام، وتعزيز صورة البطل الذي يبدو وكأنه لا يتردد في محاسبة المقربين او المتورطين، لكن في العمق قد تبقى المنظومة نفسها تعمل بالآليات ذاتها.
وفي خضم هذه العملية، يبقى الجمهور العنصر الحاسم. فالمجتمع الذي انهكته الازمات يبحث بطبيعته عن اي بارقة امل، وعن اي شخصية يمكن ان يعلق عليها توقعاته، وعندما يقدم له خطاب متماسك عن الاصلاح، مدعوماً ببعض الاجراءات المرئية، يصبح الميل الى تصديق هذه الرواية امراً مفهوماً، حتى وان كان الواقع أكثر تعقيداً.
غير ان المشكلة لا تكمن في وجود الامل او انتظار التغيير، وانما في استبدال الاصلاح الحقيقي بإدارة الصورة. فعندما تتحول السياسة الى عرض، تصبح الصورة اهم من النتائج، ويغدو الانطباع العام بديلاً عن التغيير الفعلي. ومع ذلك، لا يمكن اختزال جميع تجارب مكافحة الفساد في هذا النموذج، فهناك حالات شهدت اصلاحات حقيقية، ومحاسبة واسعة، وتغييرات مؤسسية ملموسة. ولذلك، يبقى معيار الحكم دائما هو النتائج: هل تغيرت القواعد التي ينتج من خلالها الفساد، ام ان ما حدث لم يتجاوز تغيير الوجوه؟
الاصلاح الحقيقي لا يقوم على صناعة الابطال، وإنما على بناء مؤسسات لا تعتمد على الافراد. فحين يصبح كل شيء مرتبطاً بشخص واحد، فان اي اهتزاز في هذا الشخص يهدد المنظومة بأكملها، وأما عندما تكون المؤسسات قوية، فإنها تستمر بغض النظر عن الاسماء.
لهذا فان السؤال الاهم ليس من هو البطل، وإنما ماذا تغير على الأرض، هل اصبحت المحاسبة شاملة؟ هل تراجعت الامتيازات غير المشروعة؟ هل اصبحت القوانين تطبق على الجميع دون استثناء؟ ام ان المشهد لم يتغير الا في واجهته؟
في كثير من الاحيان، لا يخشى الفساد خسارة بعض افراده بقدر ما يخشى خسارة القواعد التي تتيح له البقاء، لذلك قد يقبل بتقديم بعض الوجوه، لكنه يقاوم اي تغيير يمس بنيته الاساسية.
وفي النهاية، ما يبقى بعد انطفاء الضجيج الاعلامي هو الحقيقة البسيطة: اما ان يكون هناك تغيير في القواعد، او ان ما حدث لم يكن سوى فصل جديد من مسرحية طويلة، تتبدل ادوارها لكن يبقى نصها كما هو.
✦ كتابات في الميزان ✦
يكشف المقال أن أخطر ما تملكه منظومات الفساد هو قدرتها على تبديل وجوهها وصناعة «بطل إصلاحي» مع تقديم بعض المتورطين قرابين لامتصاص الغضب.
فالتحقيقات والاعتقالات لا تعني إصلاحاً حقيقياً إذا بقيت شبكات النفوذ والقواعد التي تحمي الفساد تعمل كما كانت.
والمعيار ليس قوة الخطاب ولا شهرة القائد، بل بناء مؤسسات تطبق القانون على الجميع وتمنع إعادة إنتاج المنظومة.
