طهران وواشنطن 2026... بين هدنة الضرورة وتسوية الممكن

لم تعد الأزمة بين واشنطن وطهران تُقاس بعدد العقوبات أو حجم المناورات العسكرية، بل بقدرة الطرفين على إدارة حافة الهاوية دون السقوط فيها. فكلما اقترب شبح الحرب، ارتفعت أسهم الوسطاء، وكلما هدأت الجبهة عاد السؤال ذاته: هل نحن أمام بداية مسار تفاوضي جديد، أم مجرد هدنة مؤقتة تسبق جولة أخرى من التصعيد؟

شهد عام 2026 تصعيداً خطيراً أعاد مضيق هرمز إلى صدارة المشهد الدولي. فقد لوّحت واشنطن بإجراءات قاسية لضمان حرية الملاحة، فيما تمسكت طهران بأوراق الضغط التي تمتلكها في الخليج. لكن الأزمة لم تنتهِ إلى مواجهة مفتوحة، بل إلى هدنة مؤقتة بوساطة باكستانية، أعادت الحديث عن إمكانية استئناف التفاوض.

غير أن العودة إلى الطاولة ليست هي المشكلة، بل طبيعة الملفات المطروحة عليها.

أولى العقبات هي أزمة الثقة. فما زالت إيران تنظر إلى الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي عام 2018 باعتباره دليلاً على هشاشة أي التزام أمريكي، بينما ترى واشنطن أن الاتفاق السابق لم يعد كافياً، وأن أي تفاهم جديد يجب أن يشمل البرنامج الصاروخي والنفوذ الإقليمي، إلى جانب الملف النووي.

أما العقبة الثانية فهي اتساع دائرة الخلافات. فالعلاقة بين البلدين لم تعد تدور حول تخصيب اليورانيوم فقط، بل تشمل أمن الخليج، وحرية الملاحة، والعقوبات الاقتصادية، والطائرات المسيّرة، والصواريخ الباليستية، وشبكة النفوذ الإقليمي. وكل ملف من هذه الملفات قادر على تعطيل أي اتفاق شامل.

وتأتي الاعتبارات الداخلية لتزيد المشهد تعقيداً. فالإدارة الأمريكية لا ترغب في الانزلاق إلى حرب جديدة ذات كلفة سياسية واقتصادية، فيما تسعى طهران إلى تخفيف العقوبات دون أن تبدو في موقع المتراجع أمام الداخل.

ورغم ذلك، تبقى دوافع الحوار أقوى من دوافع الحرب. فإغلاق مضيق هرمز ستكون له تداعيات مباشرة على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة، كما أن استمرار التوتر يفرض أعباءً متزايدة على جميع الأطراف. كذلك أثبتت السنوات الماضية أن سياسة الضغوط القصوى لم تحقق أهدافها كاملة، كما أن الخيارات العسكرية تحمل مخاطر يصعب احتواؤها.

لهذا تبدو العودة إلى اتفاق عام 2015 بصيغته القديمة أمراً مستبعداً، بينما يبرز خيار أكثر واقعية يتمثل في اتفاق مرحلي يقوم على خطوات متبادلة: تجميد محدود لبعض الأنشطة النووية مقابل تخفيف جزئي للعقوبات، مع ترتيبات تضمن أمن الملاحة في الخليج، على أن تُرحَّل الملفات الأكثر تعقيداً إلى مراحل لاحقة.

وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل دور الوسطاء. فدول الخليج هي الأكثر تأثراً بأي اضطراب في مضيق هرمز، ولذلك تدفع نحو اتفاق يضمن أمن الممرات البحرية ويحد من مصادر التوتر الإقليمي. أما أوروبا، فتمتلك خبرة تفاوضية وأدوات اقتصادية تجعلها شريكاً مهماً في أي تسوية، رغم محدودية قدرتها على التأثير المستقل في مواقف واشنطن وطهران.

في النهاية، ربما لم تعد المشكلة بين الولايات المتحدة وإيران في غياب قنوات الاتصال، بل في اتساع جدول الأعمال. فكلما أضيف ملف جديد إلى طاولة التفاوض، أصبحت التسوية الشاملة أكثر صعوبة.

ولذلك، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً ليس اتفاقاً تاريخياً يعيد صياغة العلاقة بين البلدين، بل سلسلة تفاهمات جزئية تؤجل الانفجار وتمنح المنطقة مزيداً من الوقت.

وفي الشرق الأوسط، كثيراً ما يكون تأجيل الأزمة إنجازاً سياسياً بحد ذاته، لأن البديل ليس سلاماً كاملاً، بل حرباً يدرك الجميع أن كلفتها ستكون أكبر من أي مكسب يمكن تحقيقه.

✦ كتابات في الميزان ✦

يرى المقال أن واشنطن وطهران لا تتجهان إلى تسوية شاملة، بل إلى تفاهمات مرحلية تمنع الحرب من دون إنهاء أسبابها.
فأزمة الثقة واتساع الخلاف من النووي إلى الصواريخ والنفوذ الإقليمي وأمن الملاحة تجعل الاتفاق الكبير صعباً في الوقت الراهن.
لذلك يبدو تجميد بعض الأنشطة مقابل تخفيف محدود للعقوبات السيناريو الأقرب، مع دور للوسطاء في إبقاء الطرفين بعيداً عن حافة الانفجار.

هدنة_امريكا_ايران.jpg