(الكنجينة) ٦٩

  تتنوع الكتب التي تحمل عناوينها مع معرفة الله وادلتها العقلية والقرآنية والفلسفية والكثير من العلماء الشيعة ابدعوا في هذا المجال مثل الشيخ محمد رضا المظفر الشيخ جعفر السبحاني محمد حسين الطهراني وغيرهم الكثير ، مقوِّمات البحث وحضوره بقراءة الأثر والبحث عن السمات اليقينية، والتي تضفي على الدراسة رؤى تقرِّب لنا القراءة الأسمى في كتاب (معرفة الله) إعداد السيد إحسان الغريفي، وإصدار العتبة العباسية المقدسة، حيث تم عرض المذاهب الكلامية التي اختلفت بالنظر إلى مسألة وجود الله تعالى وصفاته وعدله، وفي مواضيع أُخَر كثيرة: كالنبوة، والإمامة.. كانت المذاهب مجرد اعتقادات شخصية ضمّنها الترويج الإعلامي، فأمست مذاهب وفرقاً منها: (المجسّمة) اعتقدت بأن الله جسم ويمكن رؤيته، (المشبّهة) تشبيه صفات الله بصفات مخلوقة، (الجهمية) تنفي صفات الخالق وتنكر رؤية الله تعالى، (المعطلة) عطلت ظواهر الكتاب... وغيرها من الفرق.
وبالمقابل سعى الباحث لمقارنتها بمنهج الحق منهج أهل البيت(ع)؛ فالإمام علي(ع) يرفع الموقف الفكري الحاسم: (وَلاَ تُقَدِّرَ عظَمَةَ الله سُبْحَانَهُ عَلى قَدْرِ عَقْلِكَ، فَتَكُونَ مِنَ الهَالِكِينَ..)، ومثل هذا التميّز يمنحنا الدلالة، ويبيّن قيمة النضج الفكري، والنظر إلى الآفاق العلمية باستدلال معرفي قرآني، وسند رسالي معصوم نفى التجسيم والتشبيه عن الخالق(جلت قدرته).
 وانتقى البحث مسارات من فكر أهل البيت(ع)، مع خلق رؤى تفسيرية توضح المفهوم: كتقدير العظمة على قدر العقل، فلا يعني هذا النهي تعطيلاً بل ترك إدراك كنه الذات.. ومثل هذا الرأي يحمل رؤيا نقدية مثابرة؛ لكونها عالجت فكرة التدبّر، ليبعد تلك الصفات عن إفراط (المشبّهة)، وتفريط (المعطلة) بتشخيص أمير المؤمنين(ع): (لم يطلع العقول على تحديد صفته، ولم يحجبْها عن واجب معرفته).
 النظر برؤيا أدبية للكتاب يرتكز على معرفة الله هو بحاجة إلى الذهنية التحليلية العالية التي تدرك سمات مذهب أهل البيت(عليهم السلام)؛ بالنظر إلى موضوع الصفات الإلهية، وتمسّكها بصفة العدل الإلهي، وورود النصوص الصريحة بعدله، واستحالة الظلم على الله تعالى، وتنزيه الله عن فعل القبح.
 وقد جعل مذهبُ أهل البيت(عليهم السلام) العدلَ أصلاً من الأصول الخمسة، وصفات أُخَر: كالغنى (استغناء الله عن الغير)، والصفات الثبوتية الفعلية، فقد شخص بأن القرآن كلام الله، وقال الرضا(عليه السلام): (كلام الله لا تتجاوزوه، ولا تطلبوا الهدى في غيره فتضلوا). وقال أمير المؤمنين(عليه السلام) عن صفة التكلم: (يُخبر لا بلسان ولهوات، يقول لمن أراد كونه: كن فيكون، لا بصوت يقرع، ولا بنداء يسمع...).
 وصفات أُخَر: كالصدق، والإرادة، والحكمة، وصفة السمع والبصر.. قال الإمام جعفر الصادق(عليه السلام): (هو سميع بصير بغير جارحة، وبصير بغير آلة، بل يسمع ويبصر بنفسه). ومثل هذه المواضيع تحتاج إلى إدراك قيمي مؤمن ليقف إزاء صفات الله الجلالية المنزّهة عن النقص وعن التجسيم والتجسيد، فهو لا ينام، ولا يصحو، ولا يتحرك، ولا يسكن، وليس له شريك، منزّه عن الزمان والمكان...
 خلق البحث دوائر تكاملية تأمل من خلالها جميع جوانب الموضوعة المخصصة عن الصفات الإلهية، ومنها الصفات الخبرية، والصفات الخبرية التي لابد أن تُعامل بالأفق التأويلي وعياً وإدراكاً؛ لكونه ينمّي الأفق المضموني: كاليد، والوجه، والعين.. ويرى أئمة أهل البيت(عليه السلام) أنه لا يمكن حملها على ظاهرها؛ كونها ألفاظ مجازية تؤدي إلى التجسيم، لكن عند منهجية التأويل الخلاق سنجد أن اليد تعني (القدرة، السلطة، النعمة). وأشار معظم النقاد إلى أن هذه اللغة جارية على المجاز، وفي مسألة توحيد الله تعالى، فهذه الوحدة ليست صفة بل هي عين ذات الله تعالى، حقيقة لا عددية؛ كونها لا تمتلك مثيلاً.
 وقسَّم الكتابُ التوحيدَ إلى ذاتي، وصفاتي، وأفعالي، والتوحيد العبادي...
 الثبات على رؤى الأئمة(عليه السلام) في عالم الكتابة يعد بمثابة رؤى إبداعية منتقاة، التزام مبدئي لمسألة يقينية، آراء معصوم لابد أن تُفعَّل، ففي وسط زحام الأقاويل المتنازعة، والآراء المتباينة والمتضادة حول مسألة الجبر والتفويض، يعبِّر إمامُنا الصادق(عليه السلام) عن هوية المذهب المبارك: (لا جبرَ ولا تفويض بل أمر بين أمرين).
 وفي باب الإرادة، فهناك إرادة العزم التشريعية، وإرادة الحتم التكوينية، فهناك أوامر ونواهي مثَّلت أحكام الدين الشرعية، وبلغ بها الأنبياء عن طريق الوحي، وهناك التكوينية كل ما يتعلق بالتكوين والإبداع.. حمل الكتاب كل الأمور التي تتعلق بمعرفة الله تعالى بصورة مختصرة في سبيل تسهيل نشر المعلومة.

✦ كتابات في الميزان ✦

تأتي أهمية كتاب «معرفة الله» من محاولته تقريب واحدة من أعمق القضايا العقائدية إلى القارئ، بعيداً عن التجسيم والتعطيل والمفاهيم الملتبسة.
فالكتاب لا يكتفي بعرض الآراء الكلامية، بل يجعل من القرآن وتراث أهل البيت (ع) ميزاناً لفهم صفات الله وتوحيده وعدله وتنزيهه عن مشابهة المخلوقات.
والمغزى الأهم أن معرفة الله ليست جدلاً فلسفياً مجرداً، بل بناءٌ للوعي والإيمان يقوم على عقل يتدبر دون أن يدّعي الإحاطة بكنه الذات الإلهية.

كتاب.jpg