وتتمثل الأمانة في شقّين:
الأول : مادي؛ يُعنى بحفظ الودائع المادية وإرجاعها لأصحابها كما هي.
الثاني : معنوي؛ يتجلى في حفظ العِلم والأعراض والسمعة، والستر في عدم ذكر المساوىء، وصون الكرامة.
فالأمانة من أنبل الخصال، وأشرف الفضائل، وأعز المآثر؛ بها يحرز المرء ثقة الناس وينال وفاءهم.
قال الله تعالى :إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا. النساء 58
وقال تعالى: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِى ٱؤْتُمِنَ أَمَٰنَتَهُۥ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ. البقرة 283 .
وفي المقابل، فإن صفة الخيانة نقيض الأمانة؛ فكل عمل يخل فهو خيانة، وتقتضي الخيانة الخُلف والإخلال والنكث.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. الأنفال : 27
قال رسول الله صلى الله عليه وآله : لاَ إِيمَانَ لِمَنْ لاَ أَمَانَةَ لَهُ.البحار 72- 116.
تبين لنا هذه الرواية بأن الإيمان يعتمد بالأساس على الأمانة ولولاها لم يثبت الإيمان.
وقال الإمام الصادق عليه السلام : إِنَّ اَللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيّاً إِلاَّ بِصِدْقِ اَلْحَدِيثِ وَأَدَاءِ اَلْأَمَانَةِ إِلَی اَلْبَرِّ وَاَلْفَاجِرِ. الكافي 2-104
وعنه عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ قال : أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَمَلَ إِيمَانُهُ وَلَوْ كَانَ مَا بَيْنَ قَرْنِهِ إِلَی قَدَمِهِ ذُنُوبٌ لَمْ يَنْقُصْهُ ذَلِكَ قَالَ هِيَ اَلصِّدْقُ وَأَدَاءُ اَلْأَمَانَةِ وَاَلْحَيَاءُ وَحُسْنُ اَلْخُلُقِ. الكافي 2-99.
انظر -عزيزي القارئ- إلى أهمية هذه الخصال الأربع التي ذكرها الإمام الصادق عليه السلام؛ إذ إن من يتحلّى بها فقد كَمُلَ إيمانه؛ لأن هذه الصفات مترابطة فيما بينها، مكمّلةٌ بعضُها بعضاً.
- تحدثنا في مقالة سابقة عن الصدق، وسيعقب مقالتنا هذه -بعون الله تعالى- موضوع الحياء، ثم نتبعه بالحديث عن حسن الخلق؛ لتكتمل بذلك منظومة هذه الخصال الأربع في هذا الحديث -.
فالأمانة خلقٌ يتحلى به الصالحون لتمسكهم بقيمٍ نبيلة رفعت قدرهم، اقتداءً بأنبياء الله الذين قال كلٌّ منهم لقومه: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾، وهو ما يبين مكانة الأمانة كركيزة جوهرية في حمل الرسالات وتأدية المسؤوليات الكبرى.
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله يُلقَّب بالصادق الأمين قبل البعثة، ولسيرته الطيبة أثرٌ كبيرٌ في إقبال الناس على الإسلام في فجر الدعوة؛ يقينًا منهم بصدقه وأمانته، وهو ما أثنى عليه تعالى في محكم التنزيل فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. القلم -4.
فالأمانة عظيمة بمعنى الكلمة وهي مفتاح للكثير من الخصال الحميدة.
فقد ورد أن أداء الأمانة واجبٌ تجاه المؤمن والكافر على حدٍّ سواء.
فلو ائتمن غيرُ المسلمِ شخصاً مسلماً على شيء، لوجب عليه ردّه؛ لأن ذلك من ركائز الدين الإسلامي القويم. فإن لم يؤدِّها فقد خان الأمانة.
والخيانة ذنبٌ عظيم، وعقابها عسير عند الله سبحانه وتعالى يوم الحساب، كما نَصَّت على ذلك الآيات والروايات المستفيضة.
قال الإمام الباقر عليه السلام : ثَلاَثٌ لَمْ يَجْعَلِ اَللَّهُ تَعَالَی لِأَحَدٍ فِيهِنَّ رُخْصَةً أَدَاءُ اَلْأَمَانَةِ إِلَی اَلْبَرِّ وَاَلْفَاجِرِ وَاَلْوَفَاءُ بِالْعَهْدِ لِلْبَرِّ وَاَلْفَاجِرِ وَبِرُّ اَلْوَالِدَيْنِ بَرَّيْنِ كَانَا أَوْ فَاجِرَيْنِ. الكافي 2-162.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله : اَلْأَمَانَةُ تَجْلِبُ اَلْغِنَاءَ وَاَلْخِيَانَةُ تَجْلِبُ اَلْفَقْرَ. البحار 72-171.
قال لقمان الحكيم عليه السلام :يَا بُنَيَّ أَدِّ اَلْأَمَانَةَ يَسْلَمْ لَكَ دُنْيَاكَ وَآخِرَتُكَ وَكُنْ أَمِيناً تَكُنْ غَنِيّاً . البحار 72-117.
من آثار الأمانة :
1- الغنى .
2- الصدق.
3- العدل.
4- الرضا.
5- الود.
6- الكرامة.
7- البر.
8- الصلاح.
9- الإخلاص.
10- الوفاء.
11- الإستقامة.
تُعد الأمانةُ جامعةً لصفاتٍ حميدةٍ كثيرة؛ لذا نستعرضُ أبرز مرادفاتها، ونُقابلها بصفة الخيانةِ وما يترادف معها من صفاتٍ ذميمة، ليتضحَ الفرقُ الجوهريُّ بينهما:
من كان أمينا فهو :
أَخو ثِقَة , بَارّ , جَدِير بالثقة , حارِس , حافِظ , رَقِيب , صَادِق العَهْد , صَالِح , صَرِيح , مَوْثُوق , مُخْلِص , مُرَاقِب , مُسْتَقِيم , مُعْتَمَد , وَفِيّ.
ومن كان خائنا فهو :
أفَّاكٌ , خَرَّاصُ , سارِقٌ , سَلاَّبٌ , ضارٌّ , غادِرٌ , غشّاش , كذَّابٌ , مُتَعَدٍّ , مُخادِعٌ , مُخْتَلِسٌ , مُخْتَلِقٌ , مُسِيءٌ , مُعْتَدٍ , مُفْتَرٍ , مُلْتَوٍ.
نسأل الله تعالى أن يجنبنا الصفات الذميمة، ويوفقنا للتحلي بالصفات الحميدة؛ كالأمانة وما شابهها، والحمد لله رب العالمين.
✦ كتابات في الميزان ✦
الأمانة ليست مجرد حفظ مالٍ أو وديعة، بل حفظٌ لحقوق الناس وأسرارهم وكرامتهم، ولهذا تصبح ميزاناً حقيقياً لأخلاق الإنسان وإيمانه.
وحين تسود الأمانة تنمو الثقة ويستقيم المجتمع، بينما تبدأ الخيانة صغيرة ثم تمتد لتأكل العلاقات والحقوق من الداخل.
وأجمل ما في هذا الخُلُق أنه لا يتغير باختلاف الأشخاص؛ فالأمانة حقّ يجب أداؤه إلى الجميع، لأنها التزام مع الله قبل أن تكون التزاماً مع الناس.
