جسد الأسرة تنهشه آفة الطلاق

لم تكن نسب الطلاق في الماضي البعيد مرتفعة كما هي اليوم، بل كانت حالات محدودة غالبًا ما تجد طريقها إلى الحل عبر تدخل الأسرة أو الوجهاء أو المختصين، فيعود الزوجان إلى حياتهما بعد احتواء الخلاف. أما اليوم، فقد تحولت الظاهرة إلى تحدٍ اجتماعي حقيقي، إذ تتزايد أعداد حالات الطلاق بصورة لافتة مقارنة بعدد الزيجات، حتى باتت المحاكم تسجل شهريًا أرقامًا تدعو إلى القلق.

ولا يمكن اختزال أسباب الطلاق في عامل واحد، فهي نتيجة لتداخل عوامل اقتصادية واجتماعية وثقافية. فالاستخدام غير الرشيد لمواقع التواصل الاجتماعي، وأزمة السكن، وارتفاع معدلات البطالة، وضعف فرص العمل التي تمكّن الشباب من تحمل أعباء الحياة الزوجية، كلها عوامل تضع الأسرة الناشئة تحت ضغوط متواصلة، فتتحول الخلافات الصغيرة إلى أزمات تنتهي بالانفصال.

ويضاف إلى ذلك ضعف التأهيل للمقبلين على الزواج، وعدم إدراك الكثيرين للمعنى الحقيقي لبناء الأسرة بوصفها مسؤولية وشراكة، فضلًا عن التفاوت الفكري والثقافي بين الزوجين. كما أسهمت مواقع التواصل الاجتماعي في رسم صورة مثالية وزائفة للحياة الزوجية، دفعت البعض إلى مقارنة واقعهم بما يشاهدونه من مظاهر مصطنعة، الأمر الذي ولّد حالة من عدم الرضا والسعي إلى تقليد أنماط بعيدة عن الواقع.

إن الحد من ارتفاع نسب الطلاق يتطلب رؤية متكاملة تقوم على تشخيص الأسباب الحقيقية ووضع حلول عملية وغير تقليدية. ومن أبرز هذه الحلول إعداد برامج متخصصة لتأهيل الشباب المقبلين على الزواج، وتكثيف الحملات الإعلامية التي توضح التأثيرات السلبية لبعض الأفكار والسلوكيات الوافدة على الأسرة العراقية، إلى جانب دعم الشباب اقتصاديًا من خلال قروض ميسرة، وفتح أبواب العمل في القطاع الخاص، وتأهيلهم عبر دورات تدريبية في المهن الحرة، بما يخفف الاعتماد على الوظيفة الحكومية بوصفها الخيار الوحيد.

كما أن الخيانة الزوجية عبر مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت من أبرز أسباب الانفصال، الأمر الذي يستدعي إطلاق برامج توعوية وإرشادية مكثفة لترسيخ ثقافة الاستخدام الآمن والمسؤول لهذه المنصات، وبيان مخاطرها عندما تتحول إلى وسيلة تهدد استقرار الأسرة. فوسائل التواصل، رغم فوائدها، قد تصبح في جانبها السلبي أداة لهدم العلاقات الأسرية بسبب المحتوى الهابط والعلاقات غير المنضبطة التي تفضي إلى الشك والخيانة.

ومن الضروري أيضًا تفعيل دور الباحث الاجتماعي والأسري، ومنحه مساحة أوسع للتدخل والإصلاح بين الزوجين قبل الوصول إلى قرار الطلاق، بما يسهم في معالجة الخلافات وتقريب وجهات النظر، حفاظًا على كيان الأسرة.

إن الطلاق لا يقتصر أثره على الزوجين فحسب، بل يمتد ليصيب الأبناء والمجتمع بأسره، إذ يؤدي إلى تمزيق النسيج الاجتماعي، ويزيد من فرص الانحراف والتفكك، ويضعف منظومة القيم التي تقوم عليها الأسرة. لذلك فإن مواجهة هذه الظاهرة مسؤولية مشتركة تتطلب تعاون المؤسسات الحكومية والدينية والتربوية والإعلامية، لحماية الأسرة العراقية باعتبارها الركيزة الأساسية لاستقرار المجتمع ومستقبله.

✦ كتابات في الميزان ✦

يضع المقال الطلاق في إطار أزمة اجتماعية تتجاوز الخلاف بين زوجين إلى تهديد بنية الأسرة وآثارها في الأبناء والمجتمع. ويتميز بتعدد الأسباب التي يناقشها، من الضغوط الاقتصادية والسكن والبطالة إلى ضعف التأهيل الزوجي وتأثير مواقع التواصل والخيانة الإلكترونية. كما لا يكتفي بالتشخيص، بل يقترح حلولًا وقائية واقتصادية وإرشادية، مؤكدًا أن حماية الأسرة مسؤولية مشتركة تبدأ قبل الزواج ولا تنتهي عند أبواب المحاكم.

الاسرة_الطلاق.jpg