شاءتْ الظروف، والحمدُ لله، أنْ أقضيَ عطلتي الصيفيةَ في مدينةِ برلين للسنةِ الثانيةِ على التوالي، أنْ أجعلَ منها محطةً للانطلاقِ نحوَ عددٍ منْ المدنِ والدولِ الأوروبية، مستفيدا منْ تأشيرةِ " شنغنْ " التي تتيحُ لحاملها التنقل بينَ دولِ المنطقةِ وفقَ الشروطِ والأنظمةِ المعمول بها.
إن المدنَ ليستْ كما نراها في الصور، ولا كما تصنعها نشرات الأخبار، ولا كما يرسمها الخيالُ في ليالي الانتظارِ الطويلة، فلكلِ مدينةِ وجهٍ يبتسمُ للزائر، ووجهَ آخرَ لا يكشفُ ملامحهُ إلا لمنْ تعيشُ تفاصيلها، ويقتربُ منْ ناسها، ويختبرُ قوانينها، ويتأملُ حياتها اليومية. وبرلين واحدة منْ تلكَ المدنِ التي لا تقرأُ منْ الصفحةِ الأولى، ولا تختصرُ في معلمٍ سياحيٍ أوْ شارع مشهور، بلْ تحتاجُ إلى وقتٍ وصبرٍ وتأمل، حتى تدركَ ما تخفيه خلفَ تاريخها العريقِ وحاضرها المتجدد.
منْ هذا البابِ الثاني، لا أريدُ أنْ أتحدثَ عنْ ألمانيا عموماً وبرلين خصوصاً، منْ زاويةِ الاقتصادِ أوْ السياسةِ وحدهما، ولا عنْ أرقامِ الصناعةِ والتجارةِ وقوةِ العملة، بلْ أريدُ أنْ أتحدثَ عنها منْ زاويةِ الإنسانِ الذي يأتي إليها؛ كيفَ يدخلُ مجتمعا جديدا، وكيفَ يتعاملُ معَ شعبٍ لهُ عاداتهُ وتقاليده، وكيفَ يتعايشُ معَ قوانينَ تختلفُ في بعضِ جوانبها عما اعتادهُ في بلده، وكيفَ يحافظُ على هويتهِ وثقافته، منْ غيرِ أنْ يصطدمَ بثقافةِ الآخرين، أوْ يسيءُ إلى أنظمتهمْ وقوانينهم.
بعدَ عامِ 2011، ثمَ في أعقابِ الجرائمِ المروعةِ التي ارتكبها تنظيمُ داعشْ الإرهابيُ بحقِ أبناءِ المكونِ الإيزيدي في العراقِ عامَ 2014، فتحتْ ألمانيا أبوابها أمامَ أعدادٍ كبيرةٍ منْ اللاجئينَ الفارينَ منْ الحروبِ والقتلِ والاضطهاد، حيث ارتبطتْ تلكَ المرحلةُ بسياساتِ المستشارةِ الألمانيةِ السابقةِ أنغيلا ميركل، التي تبنتْ نهجا إنسانيا أسهمَ في استقبالِ أعدادٍ كبيرةٍ منْ طالبي اللجوء، في خطوةِ عدها كثيرُ تعبيرٍ عنْ مبادئِ الحمايةِ الإنسانيةِ والالتزاماتِ الدوليةِ تجاهَ الأشخاصِ الفارينَ منْ النزاعاتِ والمخاطر.
أنَ استقبالَ اللاجئينَ والمهاجرينَ لا يعني أنَ الطريقَ إلى الإقامةِ أوْ الاستقرارِ مفروش بالورود؛ فالدول، مهما اتسعتْ إنسانيتها، تعملُ ضمنَ قوانينَ وإجراءات، وتمنحُ الحقوق وفقَ شروط، وتفرضُ واجبات ومسؤوليات على الجميع.
- بوابة المطار
منْ بوابةِ المطارِ تبدأُ الحكايةُ بعدَ الوصولِ إلى مطارِ برلين، لا تكونُ الرحلةَ قدْ انتهت، بلْ تبدأُ مرحلةٌ جديدةٌ منها. فمنذُ اللحظةِ الأولى في صالةِ الجوازات، يقفُ القادم في طوابيرَ قدْ تطول، منتظرا دوره أمامَ موظفي مراقبةِ الحدود. قدْ يطرحُ الموظف أسئلة تتعلقُ بسببِ الزيارة، ومدةْ الإقامة، ومكان السكن، وخطةْ السفر، والقدرةِ المالية، حتى لوْ كانَ المسافرُ يحملُ تأشيرةَ دخولٍ وجميع الوثائقِ المطلوبة.
تبدو هذهِ الإجراءاتُ مرهقة، ولا سيما لكبارِ السنِ والمرضى والأطفال، لكنها في النهايةِ جزءٌ منْ النظامِ الأمنيِ والإداريِ للدولة. فالتأشيرةُ لا تعني بالضرورةِ إعفاءَ المسافرِ منْ إجراءاتِ التحققِ عندَ الحدود، بلْ تبقى سلطةُ فحصِ شروطِ الدخولِ قائمةً وفقَ القوانينِ واللوائحِ المعمول بها.
هنا يتعلمُ المسافرُ أنَ احترامَ القانونِ لا يبدأُ بعدَ دخولِ المدينة، بلْ يبدأُ منْ لحظةِ الوقوفِ أمامَ موظفِ الحدود؛ بالهدوء، والصدق، والالتزامِ بالتعليمات، وتقديم الوثائقِ المطلوبةِ منْ غيرِ جدالٍ أوْ إساءة.
-يا غريب، كنَ أديبا
بعدَ أنْ تطأَ قدماك أرضَ المدينة، تدركُ أنَ عليك أنْ تحترمَ مجتمعها وثقافتها وقوانينها، وأنْ تتذكرَ المثلَ العربيَ القديم: ( يا غريب، كنَ أديبا )، فالغربةُ لا تعني أنْ يغيرَ المجتمعُ عاداتهِ منْ أجلك، ولا أنْ يتخلى عنْ ثقافته؛ لتتوافقَ معَ ما اعتدتْ عليه، بلْ تعني أنْ تتعلمَ كيفَ تعيشُ فيهِ باحترامٍ متبادل، وأنْ تفهمَ أنَ الاختلافَ لا يبررُ الإساءة، وأنَ المحافظةَ على الهويةِ لا تتعارضُ معَ احترامِ الآخرين.
يتفاجأُ القادم منْ المجتمعاتِ العربيةِ أوْ الشرقيةِ أوْ الإسلاميةِ ببعضِ المظاهرِ الاجتماعيةِ والثقافيةِ التي تختلفُ عما اعتاده، ومنها بعض المسيراتِ والتجمعاتِ التي تعبرُ عنْ توجهاتٍ أوْ حقوقٍ اجتماعيةٍ مختلفة.
هنا يكونُ الموقف الأكثر حكمة أنْ يحترمَ الإنسانُ القانون، وألا يجعلَ نفسهُ طرفا في كلِ ما يراهُ أوْ يسمعه. قدْ قالَ العرب: " دعْ الخلق للخالقِ "، كما قيل: " منْ تدخلٍ فيما لا يعنيه، لقيَ ما لا يرضيه "، فليسَ مطلوبا منْ الإنسانِ أنْ يتخلى عنْ قناعاته، لكنهُ مطالبٌ بأنْ يعبرَ عنها بأسلوبٍ محترم، وألا يسيءَ إلى الآخرين، أوْ يعتدي على حقوقهم، أوْ يخالفُ قوانينَ البلدِ الذي يعيشُ فيه.
-الغربةُ … اختبارا للقانونِ والصبرِ
ليست الغربة اختلافَ ثقافاتٍ فحسب، بلْ هيَ أيضا امتحان طويل أمامَ القوانينِ والإجراءاتِ واللغةِ والواقعِ الجديد. فكمْ منْ شابٍ عربيٍ جاءَ إلى ألمانيا يحملُ شهادةً جامعيةً وطموحا كبيرا، وأمضى سنواتٍ في الدراسةِ أوْ العمل، ثمَ وجدَ نفسهُ أمامَ متطلباتٍ قانونيةٍ وإداريةٍ معقدة؛ تتعلقُ بالإقامة، أوْ الاعترافِ بالشهادات، أوْ شروطِ العمل، أوْ تجديد الوثائق، أوْ إثبات الاندماج، أوْ استكمال متطلباتِ الهجرة.
قدْ يقضي البعض سنوات طويلة في مراجعةِ الدوائرِ الرسمية، وتقديمِ الطلبات، والاعتراضِ على القرارات، واللجوءِ إلى المحاكم، ثمَ يكتشف- في نهايةِ المطاف- أنَ شروطَ الإقامةِ أوْ الهجرةِ لا تنطبقُ عليه، أوْ أنَ الطريقَ الذي اختارهُ لا يحققُ لهُ الاستقرار القانونيّ الذي كانَ يحلمُ به، فيعودُ إلى وطنهِ مثقلاً بالتجربة، وكأنَ المثلَ الشعبيَ يقول: " يدٌ وراء، ويد قدامَ "
لهذا فإنَ منْ يفكرُ في الهجرةِ ينبغي أنْ يدرسَ القوانينَ قبلَ أنْ يحجزَ تذكرةَ السفر، أنْ يعرفَ شروطَ الإقامةِ والعملِ والاعترافِ بالمؤهلات، ألا يبنيَ مستقبلهُ على الوعودِ أوْ القصصِ المتداولةِ أوْ التجارب الفردية؛ فلكلِ حالةِ ظروفها، ولكلِ طريق متطلباته القانونية.
هنا يدركُ الإنسانُ حقيقةً ربما غابتْ عنهُ حينَ رسمِ صورةِ الغربِ في مخيلته؛ فألمانيا ليستْ جنة على الأرض، ولا تستقبلُ الجميع بالورودِ كما يتصورُ البعض، لكنها دولةٌ تقومُ على النظام، وتمنحُ الحقوق وفقَ شروطٍ محددة، وتفرضُ الواجبات على الجميع- دونَ استثناء- وفيها فرص واسعة لمنْ يمتلكُ المؤهلاتِ والخبرةَ واللغةَ والاستعدادَ للعمل، كما فيها صعوبات وتحديات قدْ لا يحتملها كلُ إنسان.
-أجملُ ما في برلين
انك ترى تاريخ يمشي بينَ الشوارع، ومعَ كلِ ما يرافقُ الغربةَ منْ تحديات، تبقى برلين مدينة جميلة آسرة، تجمعُ بينَ عبقِ التاريخِ وروعةِ الحاضر. فهيَ مدينةُ المتاحفِ والآثار، وذاكرةِ الأحداثِ الكبرى التي صنعتْ جانبا مهما منْ تاريخِ أوروبا والعالم.
تتميزُ المدينةُ بشوارعها الواسعة، ونظافتها، وحدائقها الممتدة، ومتنزهاتها الجميلة، وأنهارها وقنواتها المائية، إلى جانبِ مكانتها الصناعيةِ والتجاريةِ والثقافيةِ والسياحية. وهيَ مدينةٌ لا يملُ الزائرُ منْ التجولِ فيها؛ فكلّ شارعٍ يحملُ حكاية، وكلّ مبنى يحتفظُ بذكرى، وكلّ ساحةٍ تروي جانبا منْ تاريخٍ طويل.
كانتْ لنا جولة ممتعة بينَ أبرزِ معالمِ المدينة، فبدأنا منْ بوابةِ براندنبورغ، ذلكَ المعلم التاريخيّ الذي أصبحَ رمزا لبرلين، وشاهدا على مراحلِ الحربِ والانقسامِ والوحدة. وعندما تقفُ أمامها، تشعرُ أنَ التاريخَ لا يزالُ حاضرا في حجارتها، وأنَ المدينةَ استطاعتْ أنْ تحولَ جراح الماضي إلى درسٍ للمستقبل. ثمَ اتجهنا إلى مبنى الرايخستاغ، مقرّ البرلمانِ الألماني، الذي يجمعُ بينَ عراقةِ البناءِ وروحِ العمارةِ الحديثة.
يمنحُ الزائرُ منْ قبتهِ الزجاجيةِ إطلالةً جميلةً على المدينة، كما يرمزُ إلى فكرةِ الشفافيةِ والمسؤوليةِ في الحياةِ الديمقراطية، حيثُ تتجاورُ الذاكرةُ التاريخيةُ معَ مؤسساتِ الدولةِ الحديثة. ولمْ تكتملْ جولتنا منْ دونِ زيارةِ برجِ التلفازِ في ساحةِ ألكسندر بلاتس، الذي يرتفعُ عاليا فوقَ المدينة، ويمنحُ الزائر مشهدا بانوراميا واسعا؛ حيثُ تبدو الشوارعُ والساحاتُ والحدائقُ والمباني في لوحةٍ متكاملة، تكشفَ اتساعُ برلين وتنوعُ أحيائها.
زرنا جزيرة المتاحف، التي تضمُ مجموعةً منْ أشهرِ المتاحفِ والمعالمِ الثقافية، وتحتفظُ بكنوزٍ أثريةٍ وفنيةٍ تحكي تاريخَ حضاراتٍ متعددة. وهناكَ يدركُ الزائرُ أنَ المتحفَ ليسَ مجردَ قاعةٍ تضمُ قطعا قديمة، بلْ ذاكرة إنسانية تحفظُ آثارَ الشعوبِ وترويَ قصصها عبرَ الزمن.
توقفنا عندَ بقايا جدار برلين، ذلكَ الجدار الذي لم يكنْ مجرد بناءٍ منْ الإسمنت، بلْ كانَ رمزا لانقسامِ مدينةٍ وشعبٍ وعائلاتٍ كاملة. وما زالتْ بعض أجزائهِ قائمة لتذكرِ الأجيالِ بأنَ الحواجزَ السياسيةَ قدْ تفصلُ بينَ الناس، لكنها لا تستطيعُ أنْ تمنعهمْ منْ الحلمِ بالحريةِ والوحدة.
مررنا بمنطقةِ نقطةِ تفتيشِ تشارلي، التي كانتْ في زمنِ الحربِ الباردةِ أحد أشهرِ المعابرِ بينَ شطريْ برلين، ثمَ زرنا بعضَ المواقعِ التي ما زالتْ تحملُ آثار تلكَ المرحلة، لتبقى المدينةُ كتابا مفتوحا عنْ الحربِ والانقسامِ والمصالحةِ وإعادةِ البناء.
بينَ النهرِ والحدائقِ والأسواقِ
تجولنا على ضفافِ نهرِ شبريه، حيثُ تمتزجُ حركةُ القواربِ بجمالِ الجسورِ والمباني القديمةِ والحديثة، يمنحُ النهرُ المدينةَ هدوءا خاصا، ويتيحُ للزائرِ أنْ يراها منْ زاويةٍ مختلفة، بعيدا عنْ صخبِ الشوارع. ثمَ استمتعنا بالحدائقِ والمتنزهاتِ الواسعة، وفي مقدمتها حديقةْ تيرغارتن، التي تشكلُ مساحةً خضراءَ نابضةً بالحياةِ في قلبِ المدينة.
هناكَ يجلسُ الناس للراحة، ويمارسونَ الرياضة، ويتنزهونَ بينَ الأشجارِ والممرات، في مشهدٍ يعكسُ اهتمام المدينةِ بالبيئةِ وجودةْ الحياة. ولمْ تكتملْ الجولةُ منْ دونِ المرورِ بالمناطقِ التي تنتشرُ فيها المطاعم والمقاهي والمتاجر العربية، والتي يطلقُ عليها بعض الزائرينَ اسم " شارعِ العربِ "؛ لما تضمهُ منْ أجواءٍ شرقيةٍ دافئة، وروائحِ الطعامِ العربي، وأصواتِ اللغةِ التي تعيدُ إلى الذاكرةِ شيئا منْ الوطن.
في تلكَ الأماكن، يجدُ المسافرُ العربيُ مطاعمَ تقدمُ أطباقا عراقيةً وسوريةً ولبنانيةً وفلسطينيةً ويمنية، إلى جانبِ المقاهي والمحالِ التي تبيعُ المنتجاتِ الشرقية. وقدْ أصبحتْ هذهِ المناطق جزءا منْ التنوعِ الثقافيِ الذي يميزُ برلين، حيثُ تتجاورُ ثقافاتُ العالمِ في مدينةٍ واحدة. ثمَ اتجهنا إلى مناطقِ التسوق، حيثُ تتنوعُ المتاجرُ بينَ الماركاتِ العالمية، والمحالِ الشعبية، والأسواقِ التقليدية، والمراكزِ التجاريةِ الحديثة.
في شوارعَ مثل كورفورستندام، يشعرُ الزائرُ بحيويةِ المدينةِ وأناقتها، بينما تمنحهُ الأسواقُ الشعبيةُ فرصةً لاكتشافِ حياةِ الناسِ اليوميةِ بعيدا عنْ الأماكنِ السياحيةِ المعروفة، وهكذا كانتْ جولتنا مزيجا جميلاً منْ التاريخِ والطبيعةِ والثقافةِ والفنونِ والتسوق، جعلتنا نكتشفُ برلين منْ زوايا متعددة، ونحتفظُ بذكرياتٍ جميلةٍ لا تنسى.
-الغربةُ … والفراغ الذي يتركهُ غياب الأهلِ
إن الغربة، مهما حسنتْ ظروفها، تبقى غربة. إنَ أقسى ما فيها ليسَ برد الشتاء، ولا صعوبةْ اللغة، ولا مشقةْ العمل، بلْ ذلكَ الفراغ الذي يتركهُ غياب الأهل. ففي الوطن، مهما اشتدتْ المحن، وضاقتْ الأحوال، يبقى للإنسانِ بيتٌ يأويه، وأمّ تدعو له، وأب يسنده، وأخ يقفُ إلى جانبه، وصديق يعرفهُ قبلَ أنْ تغيرهُ الأيام، وإذا نزلتْ بهِ الشدائد، وجدَ منْ يمسكُ بيده، ويخففُ عنهُ ثقل الحياة، ويشاركهُ الحزن قبلَ الفرح.
أما في الغربة، فقدْ يجدُ الإنسان نفسه وحيدا، يحملُ همومهُ بصمت، ويواجهُ أزماتهِ بنفسه، حتى يصبحَ الوطن أمنية قبلَ أنْ يكونَ مكانا، وذكرى قبلَ أنْ يكونَ عنوانا في زواجِ السفر. وليسَ المقصود منْ هذا الحديثِ التقليل منْ شأنِ الهجرة، أوْ منْ قيمةِ البلدانِ التي تستقبلُ اللاجئينَ والمهاجرين، بلْ الدعوةَ إلى الواقعية. فالهجرةُ ليستْ حلما سهلَ المنال، ولا طريق مفروشا بالورود، بلْ قرارٍ مصيريٍ يحتاجُ إلى معرفة، وصبر، واستعدادٍ نفسي، وقدرة على تحملِ المسؤوليات، واحترامِ القانون، وتعلمِ اللغة، والاندماجِ في المجتمع.
- برلين … فرصة لمنْ يعرفُ طريقه
ولا شكَ أنَ كثيرا يحلمونَ بالعيشِ في برلين، ولا سيما إذا توافرتْ لهمْ فرصةُ عملٍ مناسبةٌ ومشروعة، وفي إطارٍ قانونيٍ واضح، فأصحابُ المؤهلاتِ العلميةِ والخبراتِ المهنيةِ قدْ يجدونَ فرصا جيدةً إذا استطاعوا تطويرَ مهاراتهمْ وإتقانَ اللغةِ واستيفاءَ المتطلباتِ القانونية. كما يستطيعُ منْ لا يحملُ شهادةً جامعيةً أنْ يبنيَ مستقبله منْ خلالِ العملِ الجاد، والتدريبِ المهني، واكتسابِ الخبرات.
أما المستثمرونَ وأصحاب رؤوسِ الأموال، فيجدونَ في ألمانيا بيئة اقتصادية منظمة، وفرصا متعددة، ضمنَ قوانينَ واضحةٍ تحمي الحقوق، وتنظمُ الالتزامات، وتضعُ قواعد للعملِ والمنافسة.
يبقى القانونُ فوقَ الجميعِ ؛ فلا تمنحُ الحقوق على أساسِ الانتماءِ أوْ العلاقاتِ الشخصية، بلْ وفقَ القواعدِ والإجراءات، وتحددٍ الواجباتِ ضمنَ نظامٍ يسري على الجميع. ومعَ ذلك، فإنَ الهجرةَ أوْ الإقامةَ في الخارجِ ليستْ الطريق الوحيد إلى حياةٍ كريمة.
منْ لا تتوافرُ لهُ القدرةُ أوْ الظروفُ المناسبةُ للعملِ والإقامةِ القانونية، يستطيعُ أنْ يزورَ برلين سائح، وأنْ يستمتعَ بجمالها وتاريخها وثقافتها، ثمَ يعودُ إلى وطنهِ محتفظا بذكرياتٍ جميلةٍ وتجربةٍ غنية. فليسَ المهمّ أنْ يعيشَ الإنسانُ في مدينةٍ عظيمةٍ فحسب، بلْ إنَ يعيشُ كريما عزيزا، آمنا مطمئنا، قادرا على بناءِ مستقبلهِ وخدمةِ مجتمعه.
قدْ تكونُ السياحةُ نافذةً نرى منْ خلالها تجاربَ الشعوب، ونتعلمُ منها كيفَ تتطورُ المدن، وكيفَ تحترمُ الدولُ قوانينها، وكيفَ تحافظُ المجتمعاتُ على النظامِ والبيئةِ والفضاءِ العام. لكنَ رؤيةَ تجاربِ الآخرينَ لا تعني بالضرورةِ أنْ نتركَ أوطاننا، بلْ قدْ تكونُ دافعا للعودةِ إليها بأفكارٍ جديدة، والعمل منْ أجلِ أنْ تصبحَ أكثر عدلاً وازدهارا وجمالا.
-الوطنُ … الاسم الذي لا يحتاجُ إلى إثباتٍ
أنَ أجملَ ما يمكنُ أنْ يقالَ لكلِ شابٍ يفكرُ في الهجرةِ لمجردِ البحثِ عنْ حياةٍ أسهلَ هو: إذا استطعت أنَ تبنيَ مستقبلك في وطنك بكرامة، فافعل، اعملْ ليلاً ونهارا، وطورَ قدراتك، وتمسكْ بأرضك وأهلك، وأسهمَ في إصلاحِ مجتمعك، فالوطن، مهما قسا، يبقى الحضنُ الذي يعرفُ اسمك قبلَ أنْ يعرفَ رقم ملفك. ويبقى المكانُ الذي لا تحتاجُ فيهِ كلَ يومٍ إلى أنْ تثبتَ أنك تستحقُ البقاء.
يمكن للغربةُ قدْ تمنحُ الإنسانَ مالا، أوْ خبرة، أوْ شهادة، أوْ فرصةً جديدة، لكنها لا تمنحهُ وطنا يشبهُ دفءَ الوطنِ الأول، ولا أهل يعوضونَ الأهل، ولا ذكريات تزرعُ كما تزرعُ الأشجار. يبقى الوطن، رغمَ جراحهِ ومشكلاته، أجمل منفى لا يختار، وأعظمَ نعمةً قدْ لا يعرفُ الإنسانُ قيمتها إلا عندما يبتعدُ عنه.
أما برلين، فستبقى في الذاكرةِ مدينةٌ جميلة، مدينة خرجتْ منْ رمادِ الحروب، وتجاوزتْ جدارَ الانقسام، وبنت حاضرها بالقانونِ والعملِ والعلم. زرناها منْ بابِ السياحة، لكننا قرأنا فيها صفحات منْ التاريخ، وتعلمنا منْ نظامها دروسا في احترامِ القانون، وعدنا منها بذكرياتٍ جميلة، وبقناعةٍ أعمق: إنَ السفرَ يفتحُ للإنسانِ نوافذ جديدة، لكنَ الوطنَ يبقى البابُ الذي يعرفُ طريق العودةِ إلى القلب.
