تطرقت في الأجزاء الثلاثه السابقه الى الايات القرانيه النازله بذم الاعراب عموما واعراب نجد خصوصا والى احاديث رسول الله (ص) التي تذمهم وتطرقت الى طباعهم وعاداتهم وفي هذا الجزء والذي يليه نتطرق الى حربهم الغادره لرسول الله (ص)
حارب اعراب نجد رسول الله( صلى الله عليه واله) حربا قاسيه منفردين تاره و متحالفين مع قريش تاره ثانيه ومع قريش واليهود تاره ثالثه
1- غزوة قَرْقَرَةُ الكُدْر
وفي السنه الثانيه او الثالثه للهجره اجتمع عدد من اعراب نجد من قبيلتي بني سليم وغطفان في منطقه قرقره الكدر حول بئر ماء في تلك المنطقه لغرض غزو المدينه المنوره
وقد وصل نبأهم إلى النبي صلی الله عليه وآله وسلم،فاستخلف النبي ابن أبي مكتوم وعلى رواية محمد بن مسلمة الأنصاري على المدينة، وسار هو والمسلمون نحو المشركين. وكان الإمام علي عليه السلام حامل لواء المسلمين في هذه الغزوة.
وقد غادرت قوات بني سليم وغطفان المكان قبل وصول جيش المسلمين، فأرسل النبي صلی الله عليه وآله وسلم عدداً من قواته إلى أعلى الوادي؛ ليطلعوا عن موقع العدو، فواجهوا رعاة بعير وكان بينهم ولد باسم يسار، فأخذوهم، وسلّموا البعران إلى النبي صلی الله عليه وآله وسلم. رجع المسلمون إلى المدينة، وقسمّوا الغنائم في بيت صرار،
2 - غزوةُ ذي أمَرَّ بناحيةِ نَجدٍ
قال تعالى: {يَا أيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أن يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ} [المائدة 11]
وصف الغزوه في الدرر السنيه
سَبَبُها: أنَّ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَلَغه أنَّ جَمعًا من بني ثَعلَبَة من غَطَفانَ، وبني مُحارِبِ بن خَصَفةَ بن قَيسٍ بذي أمَرَّ قد تَجَمَّعوا يُريدون أن يُصيبوا مِن أطرافِ رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وجَمَعهم رجلٌ منهم يُقال له: دُعْثورُ بن الحارِثِ بن مُحارِبٍ،
فنَدَب رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المسلمين، وخرج في أربعِمِئةٍ وخَمسين، ، واستَخلَف على المدينةِ عُثمانَ بنَ عفانَ، فأصابوا بالمدينةِ رجلًا منهم بذي القَصَّةِ يُقال له: جَبَّارٌ من بني ثَعلَبةَ، فقال له المسلمون: أين تُريد؟ فقال: أُريدُ يَثرِبَ لأرتاَد لنَفسي وأنظُرَ، فأُدخِلَ على رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأخبَرَه مِن خَبَرِهم، قال: لن يُلاقوك ولو سَمِعوا بسَيرِك هَرَبوا في رؤوسِ الجبالِ وأنا سائِرٌ معك، فدعاه رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى الإسلامِ وأسلم، وضمَّه رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى بلالٍ، فأخَذَ به جبَّارٌ طَريقًا، وهَبَط به عليهم، وسَمِع القومُ بمَسيرِ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فهَرَبوا في رؤوسِ الجِبالِ، فبَلَغ ماءً يقال له: ذو أمَرَّ، فعَسكرَ به، وأصاب رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأصحابَه مطرٌ كثيرٌ، فابتَلَّت ثيابُ رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وثيابُ أصحابِهِ؛ فنزل رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تحتَ شجرةٍ ونَشَر ثيابَهُ لتَجِفَّ، واضطَجَع، وذلك بمَرأًى من المُشرِكين، واشتَغَل المسلمون في شؤونِهم. فبَعَث المشركون رَجلًا شُجاعًا منهم يقال له: دُعْثورُ بنُ الحارث، وكان سيِّدَها وأشجَعَها، ومعه سيفٌ متقلِّدٌ به، فبادَرَ دُعْثورٌ وأقبَلَ مُشتَمِلًا على السَّيفِ، حتى قام على رأسِ رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالسَّيفِ مشهورًا، فقال: يا مُحمَّدُ، مَن يَمنَعُك مِنِّي اليَومَ؟ فقال رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: "اللهُ". ودَفَع جِبريلُ في صدرِه، فوقَع السَّيفُ من يدِه؛ فأخَذه رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وقال له: "مَن يَمنَعُك مِنِّي؟!" فقال: لا أحَدَ، وأنا أشهَدُ أن لا إله إلا اللهُ وأنَّ محمدًا رسولُ الله، والله لا أُكثِّرُ عليك جَمعًا أبدًا، فأعطاهُ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سيفَه.ثم أتى قَومَه فقالوا: ما لك؟ وَيلَكَ! فقال: نَظرتُ إلى رجلٍ طَويلٍ، فدَفَع في صَدري، فوَقَعتُ لظَهري، فعَرَفتُ أنَّه مَلَك، وشَهِدتُ بأنَّ مُحَمَّدًا رسول الله، واللهِ لا أُكثِّرُ عليه جَمعًا. وجَعَل يَدعو قومَه إلى الإسلامِ. وأنزل الله تعالى: {يَا أيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أن يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ} [المائدة 11]. وعاد رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى المدينةِ، ولم يَلْقَ كَيدًا، وكانت غَيبَتُه خمسَ عشرةَ ليلةً، وقيل: قام رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بنَجدٍ صَفَرَ كُلَّه.
3 -غزوة بُحران، أو بَحران
وفي السنه الثالثه للهجره بلغ رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم أنّ جمعاً كثيراً من بني سليم من اعراب نجد تجمعوا في منطقه بحران التي تبعد 200 كيلومتر عن المدينه للهجوم عليها ، فخرج رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم في ثلاثمائة رجل من المدينة بعد أن استعمل عليها ابن أم مكتوم، حتى إذا كانوا دون بحران بليلة، لقي رجلا ً من بني سليم، فاستخبروه عن القوم وجمعهم، فأخبرهم أنهم قد افترقوا أمس ورجعوا إلى مائهم، فسار رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم حتى بلغ بحران فأقام فيها شهر ربيع الآخر وجمادى الأولى، ثم رجع إلى المدينة ولم يلقَ كيدا.
4 - غزوة دومة الجندل
تقع دومة الجندل اليوم في شمال غربي المملكة العربية السعوديه على بعد مائة كيلومتر من الحدود الأردنية. اعتبر دوماء ابن النبي إسماعيل عليه السلام بانياً لهذه المدينة حيث بنى في بداية الأمر قلعة من الجندل أي الحجارة
كانت دومة الجندل وضواحيها في عصر ظهور الإسلام مسكناً لبني كنانة وهي من قبيلة كلب، وهما من اعراب نجد.
وصلت الانباء الى رسول الله (ص) بأن أهالي دومة الجندل تجمعوا في طريق تجار المدينة ليقطعوا الطريق عليهم، ثم يهجمون على المدينة لاحقاً
وفي اليوم 25 من شهر ربيع الأول سنة 5 للهجرة خرج النبي صلی الله عليه وآله وسلم في ألف من أصحابه إلى دومة الجندل
وحينما وصل جيش المسلمين إلى دومة الجندل تفرّق أهاليها، فأرسل النبي صلی الله عليه وآله وسلم عدداً من أفراد جيشه في إثرهم، ثم أتى محمد بن مسلمة بأسير إليه صلی الله عليه وآله وسلم فاعتنق الإسلام، ولم يعثروا على غير هذا الأسير. رجع المسلمون في يوم 20 من شهر ربيع الثاني إلى المدينة من دون قتال مع أهالي دومة الجندل.
5- غزوة ذات الرقاع
قال تعالى:
وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَىٰ أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ﴿ ١٠٢ ﴾النساء
توجّه الرسول لقتال أعراب صحراء نجد، القُساة في طبعهم، والذين عُرف عنهم الاشتهار بالسّلب والنهب، فكانت الغاية من قتالهم تأديب القبائل التي حولهم، ثمّ تحصيل الأمن والاستقرار لأهل المدينة، وقد تزامن ذلك مع وصول الأخبار إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم، بأنّ تلك الجماعات تعدّ العدّة لقتال النبي وأصحابه في المدينة، فبادرهم النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- بذلك قبل أن يصلوا إليه، وقد بلغ عدد المسلمين في تلك الغزوة ما يقارب الأربعمئة مقاتل، وقيل: بل سبعمئة، وكان يطغى على معالم تلك الغزوة القسوة؛ لطبيعة المنطقة المليئة بالحجارة الحادّة التي أدمت أقدام الصحابة، بالإضافة إلى نقص الراحلة التي تقلّ المقاتلين.
ولمّا وصل النبي -صلّى الله عليه وسلّم- ومن معه إلى مشارف موضع غطفان سمعت تلك القبائل بهم، فدبّ الرّعب في قلوبهم، وأصابهم الخوف والفزع، وتيقّنوا أنّ الأمر جلل، وأنّ ما عزموا عليه أصبح الآن حقيقةً لا فكرة، فهرب رجالهم إلى رؤوس الجبال، وتركوا خلفهم النساء، والأبناء، والذرية، والأموال، وفي تلك الأثناء أدركت الصلاة المسلمين، فهمّوا بأدائها؛ وكان ممّا يخشاه النبي -صلّى الله عليه وسلّم- حينها أن يعود الرجال إلى جيش المسلمين، فينقضوا عليهم على حين غفلةٍ وهم يؤدّون صلاتهم، فنزلت آية صلاة الخوف التي تشرح للنبي -صلّى الله عليه وسلّم- الكيفية التي يؤدي بها الصلاة، مع حفظ الأمن للجيش، وعدم المخاطرة به،
قال تعالى:
وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَىٰ أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ﴿ ١٠٢ ﴾النساء
انتهت الصلاة ولم يحصل ما كان يخشاه النبي صلّى الله عليه وسلّم، فعزم على العودة إلى دياره بعد أن رأى أنّ المقصود من الغزوة قد تحقّق بتأديب غطفان، وإدخال الرّعب في قلوبهم، وفي أثناء عودته وقبل أن يغادر تلك البقعة حلّ عليهم الليل، فخيّم النبي -صلّى الله عليه وسلّم- مع جيشه في منطقةٍ قريبةٍ، ووضع حراسةً على المعسكر، وبعد أن أشرقت الشمس واصل الجيش مسيره باتجاه المدينة، وبعد تلك الحادثة لم تجرؤ غطفان أو غيرها من الأعراب على التّعرض لأهل المدينة أو المسلمين بسوءٍ، بل علموا عظيم قدر النبي وأصحابه، كيف وصلوا إليهم، وأحاطوا بأبنائهم وذرياتهم، ولكنّهم لم يمسّوهم بسوء.
6 - غزوه بئر معونه
ويستمر اعراب نجد بغزو الناس الامنيين ونهب اموالهم وتهديد المدينه والتحشيد لغزوها وبعد كل محاوله لغزوها يتصدي لهم رسول الله (ص) فيغزوهم ويؤدبهم ليرتعدوا عما اعتادوا عليه من الغزو والسلب
عن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، وغيره من أهل العلم ، قالوا :
قدم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الأسنة على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، فعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام ، ودعاه إليه ، فلم يسلم ولم يبعد من الإسلام ، وقال : يا محمد ، لو بعثت رجالا من أصحابك إلى أهل نجد ، فدعوتهم إلى أمرك ، رجوت أن يستجيبوا لك ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني أخشى عليهم أهل نجد ، قال أبو براء . أنا لهم جار ، فابعثهم فليدعوا الناس إلى أمرك (1)
ويروي ابن هشام في سيرته:
وقد أبدى النبيّ صلى الله عليه وسلم خشيته من أن يصاب رجاله بسوء وسط قبائل ضارية لا يؤمن ذمامها فقال ابو براء انا لهم جار (2)
فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المنذر بن عمرو في أربعين رجلا من أصحابه ، من خيار المسلمين. فساروا حتى نزلوا ببئر معونة ، وهي بين أرض بني عامر وحرة بني سليم
فلما نزلوها بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عدو الله عامر بن الطفيل ؛ فلما أتاه لم ينظر في كتابه حتى عدا على الرجل فقتله ، ثم استصرخ عليهم بني عامر فأبوا أن يجيبوه إلى ما دعاهم إليه ، وقالوا : لن نخفر أبا براء ، وقد عقد لهم عقدا وجوارا فاستصرخ عليهم قبائل من بني سليم من عصية ورعل وذكوان ، فأجابوه إلى ذلك ، فخرجوا حتى غشوا القوم ، فأحاطوا بهم في رحالهم ، فلما رأوهم أخذوا سيوفهم ، ثم قاتلوهم حتى قتلوا من عند آخرهم ، (3)
وقد تألم النبي صلى الله عليه وسلم لأجل هذه المأساة، ولأجل مأساة الرجيع اللتين وقعتا خلال أيام معدودة تألما شديدا، وتغلب عليه الحزن والقلق ، حتى دعا على هؤلاء القوم والقبائل التي قامت بالغدر والفتك في أصحابه، ففي الصحيح عن أنس قال: دعا النبي صلى الله عليه وسلم على الذين قتلوا أصحابه ببئر معونة ثلاثين صباحا، يدعو في صلاة الفجر على رعل وذكوان ولحيان وعصية، ويقول: عصية عصت الله ورسوله، فأنزل الله تعالى على نبيه قرآنا قرأناه حتى نسخ بعد: «بلغوا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه» فترك رسول الله صلى الله عليه وسلم قنوته
7 – غزوه شهداء الرجيع
يروي محمد الغزالي في كتابه فقه السيره قصه شهداء الرجيع فيقول :
(وأصل قصّة الرّجيع هذه، أن وفدا من قبائل عضل والقارة ( عضل قبيله نجديه مضريه واقرب القبائل النجديه لها نسبا لهم هي قبيلة كنانة وبنو أسد وهذيل و بنو تميم )، قدم على رسول الله يذكر أنّ أنباء الإسلام وصلت إليهم، وأنهم يحتاجون إلى رجال يعلمونهم الدين، ويقرئونهم القران، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم معهم رهطا من الدعاة يرأسهم عاصم بن ثابت، فانطلق الجميع حتى إذا كانوا بين عسفان ومكة قريبا من مياه هذيل شعر الدعاة بأنّ أصحابهم غدروا بهم، واستصرخوا هذيلا عليهم
وفزع الدعاة إلى أسلحتهم يقاتلون الغادرين ومن أعانهم من قبيلة هذيل، وماذا يجدي قتال نفر يعدّون على الأصابع لنحو مئة من الرماة وراءهم قومهم يشدّون أزرهم؟ لذلك لم يلبث عاصم وصحبه أن قتلوا (4)
واستسلم للأسر منهم ثلاثة نفر: خبيب، وزيد بن الدثنة، وعبد الله بن طارق، فاسترقهم الهذليون وخرجوا بهم إلى مكة ليبيعوهم بها، ومعنى بيعهم بمكة تسليمهم لقريش؛ فإن أولئك النفر من الرجال الذي قاتلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بدر وأحد، ولأهل مكة لديهم ترات، يودّون الاشتفاء منها، وقد حاول عبد الله الإفلات من هذا المصير فقتل، وأما (خبيب) و (زيد) فأخذهما رجال قريش ليقتلوهما، أخذا بثأرهم القديم
فأما زيد فابتاعه صفوان بن أمية؛ ليقتله بأبيه، ولما خرجوا به من الحرم، اجتمع حوله رهط من قريش- فيهم أبو سفيان بن حرب- فقال له أبو سفيان حين قدّم ليقتل:
أنشدك بالله يا زيد أتحب أنّ محمدا الان عندنا مكانك تضرب عنقه، وأنّك في أهلك؟ فقال:
والله ما أحبّ أنّ محمدا الان في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه، وإني جالس في أهلي
فقال أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدا يحبّ أحدا كحبّ أصحاب محمّد محمدا. ثم قتل زيد
وأما خبيب فقد اشتراه عقبة بن الحارث، ليقتله بأبيه، فلما خرجوا بخبيب من الحرم ليصلبوه قال لهم: إن رأيتم أن تدعوني حتى أركع ركعتين فافعلوا، قالوا: دونك فاركع. فركع ركعتين أتمهما وأحسنهما، ثم أقبل على القوم فقال:
أما والله لولا أن تظنّوا أنّي إنما طوّلت جزعا من القتل لاستكثرت من الصّلاة، فكان خبيب أول من سنّ هاتين الركعتين عند القتل ثم رفعوه على خشبة
فلما أوثقوه قال:
اللهم إنا قد بلّغنا رسالة رسولك، فبلّغه الغداة ما يصنع بنا. ثم قال: اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادر منهم أحدا ، واستقبل الموت وهو ينشد
ولست أبالي حين أقتل مسلما ... على أيّ جنب كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزّع
حزن المسلمون لفقدانهم عاصما وصحبه، ولمصرع أسيريهم على هذا النحو الفاجع، فقد خسروا فريقا من الدعاة الأكفاء الشجعان يحتاج إليهم الإسلام في هذه الفترة من تاريخه، ثم إنّ اصطياد الرجال بهذه الطريقة زاد المسلمين توجّسا وقلقا؛ إذ إن ذلك المسلك دل على مبلغ طمع العرب في أهل الإيمان، واستهتارهم بأرواحهم، وجرأتهم على النيل منهم دون تخوّف أو محاذرة قصاص
واكراما لهذا الشهيد الثابت على مبادئه اذكر قصيدته كامله قبيل استشهاده
قصيدة لُبَيْبٌ بنُ عَدِيٍّ رضي الله عنه
قال حينما أسره المشركون وأجمعوا على قتله
لقد جَمّعَ الأحزابُ حَولِي وألّبوا ... قبائلَهُمْ واستَجْمَعُوا كُلَّ مَجمَعِ
وكلُّهُمُ مُبدي العداوةِ جاهِدٌ ... عليَّ لأنّي في وَثاقي بِمَضْيَعِ
وقد جمَّعوا أبناءَهُمْ ونِساءَهُمْ ... وقُرِّبْتُ مِنْ جِذْعٍ طَويلٍ مُمَنَّعِ
إلى اللهِ أشْكُو غُرْبَتي ثُمَّ كُرْبَتي ... وما أرصدَ الأحزابُ لي عندَ مَصرعَي
فَذَا العرشِ صَبِّرْني على ما يُرادُ بِي ... فقد بضّعوا لَحْمي وقدْ يَاسَ مَطْمَعي
وذلكَ في ذاتِ الإلهِ وإنْ يَشَأْ ... يُبارِكْ على أوصالِ شِلْو مُمَزَّعِ
وقد خَيَّرُوني الكُفرَ والموتَ دُونَه ... وقدْ هَمَلَتْ عَيْنايَ من غَيرِ مَجزَعِ
وما بي حَذارُ الموتِ، إني لميّتٌ ... ولكنْ حَذاري جُحْمُ نارٍ مُلَفَّعِ
فلستُ أُبالي حِينَ أُقتَلُ مُسلِماً .. على أيِّ جَنْبٍ كانَ في اللهِ مَصرَعي
ولستُ بمبدٍ للعدو تخشُّعاً ... ولا جزَعَاً، إنّي إلى الله مَرجِعي
وذكر القيرواني في حلى العلي أن خبيبا لما قتل جعلوا وجهه إلى غير القبلة فوجدوه مستقبلا لها فأداروه مرارا ثم عجزوا فتركوه
وقال معاوية حضرت مقتل خبيب مع أبي أبي سفيان، " وكانا لم يسلما وقتها "، فلقد رأيت أبي يلقيني إلى الأرض فرقا من دعوة خبيب، وكانوا يقولون: إن الرجل إذا دعي عليه فاضطجع لجنبه زالت عنه
8 - فتح مكه
وفي صلح الحديبيه اصطلح رسول الله(ص) ومشركي قريش على اتفاقيه فيما يلي اهم بنودها:
( هَذَا مَا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو عَلَى وَضْعِ الْحَرْبِ عَشْرَ سِنِينَ، يَأْمَنُ فِيهن النَّاسُ، وَيَكُفُّ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ ... وَكَانَ فِي شَرْطِهِمْ حِينَ كَتَبُوا الْكِتَابَ أَنَّهُ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَدْخُلَ فِي عَقْدِ مُحَمَّدٍ وَعَهْدِهِ دَخَلَ فِيهِ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَدْخُلَ فِي عَقْدِ قُرَيْشٍ وَعَهْدِهِمْ دَخَلَ فِيهِ، فَتَوَاثَبَتْ خُزَاعَةُ، فَقَالُوا: نَحْنُ مَعَ عَقْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَهْدِهِ، وَتَوَاثَبَتْ بَنُو بَكْرٍ، فَقَالُوا: نَحْنُ فِي عَقْدِ قُرَيْشٍ وَعَهْدِهِمْ ... ) (5)
وفي السنة الثامنة من الهجرة النبوية، هاجمت بنو بكر بمعونة قريش قبيلة خزاعة حليفة المسلمين فقتلوا منهم جماعة، وبهذا نقضت قريش وحلفاؤها صلح الحديبية، فسار النبي
صلى الله عليه وسلم لنصرة حلفائه من خزاعة
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى
وكان سبب ذلك أن قريشا نقضوا العهد الذي وقع بالحديبية، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فغزاهم
قال ابن إسحاق: وكان بين بني بكر وخزاعة حروب وقتلى في الجاهلية، فتشاغلوا عن ذلك لما ظهر الإسلام، فلما كانت الهدنة خرج نوفل بن معاوية الدِّيَلي من بني بكر ، في بني الدِّيَل ، حتى بيّتَ خزاعة [ بيتهم : يعني هاجهم ليلا ] ، على ماء لهم يقال له الوَتير، فأصاب منهم رجلا يقال له مُنبه، واستيقظت لهم خزاعة ، فاقتتلوا إلى أن دخلوا الحرم ولم يتركوا القتال
وأمدت قريش بني بكر بالسلاح ، وقاتل بعضهم معهم ليلا في خفية
فلما انقضت الحرب خرج عمرو بن سالم الخزاعي حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد فقال
يا رب إني ناشد محمدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا
فانصر هداك الله نصرا أيدا ... وادع عباد الله يأتوا مددا
إن قريشا أخلفوك الموعدا ... ونقضوا ميثاقك المؤكدا
هم بيتونا بالوتير هجدا ... وقتلونا ركعا وسجدا
وزعموا أن لست أدعو أحدا ... وهم أذل وأقل عددا
قال ابن إسحاق: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( نصرت يا عمرو بن سالم ) فكان ذلك ما هاج فتح مكة
المصادر :
(1) - سير اعلام النبلاء ص 449
(2) سيره ابن هشام ج2/ 174
(3) السيره النبويه لابن هشام ج2 ص 185
(4) محمد الغزالي في كتابه فقه السيره ص279
(5) مسند احمد 31 / 212 – 218
