في سفحِ وادٍ هادئ، تعاقبتْ عليهِ الأجيالُ كما تتعاقبُ الفصول، نشأَ شيخانِ منْ أرضٍ واحدة، وشربا منْ ماءٍ واحد، لكنهما سلكا طريقينِ مختلفينِ في صناعةِ المجد. رأى أحدهما أنَ الهيبةَ تنتزعُ بالصراع، وأنَ الزعامةَ لا تكتملُ إلا بكثرةِ الخصومِ واتساعِ النفوذ.
أما الشيخ الآخر، فآمنَ بأنَ الإنسانَ يبني مكانتهُ بما يزرعُ منْ خير، وما يغرسُ منْ علم، وما ينسجهُ منْ أواصرِ المودةِ بينَ القريبِ والبعيد، وبينَ هذينِ النهجين، ظلَ الوادي شاهدا صامتا على حكايةٍ لا تتحدثُ عنْ رجلينِ فحسب، بلْ عنْ رؤيتينِ للحياة، وعنْ إرثٍ يبقى بعدَ أنْ يرحلَ أصحابه.
كانَ الأول شيخ عشيرةٍ كبيرة، كثيرةِ الرجال، واسعةْ الأرض، تحيطُ بها أربع عشائرَ أصغرَ منها، كانَ يرى أنَ المجدَ لا يكتملُ إلا إذا خضعتْ لهُ تلكَ العشائر، وأنَ قوةَ الشيخِ تقاسُ بعددِ منْ يرفعُ رأسه بأمره، ويخفضهُ بإشارته، فبدأَ يرسلُ الهدايا حينا، والوعود حينا آخر، ويزرعُ الخلافاتِ كلما وجدَ فرصة، فإذا تصالحَ اثنان، وجدَ منْ يذكرهما بثأرٍ قديم، فإذا ازدهرتْ أرضٌ عندَ جيرانه، بحث عمنْ يشككُ في حدودها، إذا ظهرَ رجلٌ حكيمٌ في عشيرةٍ مجاورة، أحاطهُ بالمال، أوْ بالخوفِ حتى يصمت، شيئا فشيئا، أصبحتْ شؤونُ تلكَ العشائرِ لا تحسمُ إلا في مضيفه، الزواج يحتاجُ إلى رضاه، الصلحَ لا يتمُ إلا بكلمته، حتى النزاعاتِ البسيطةِ حولَ ساقيةِ ماءٍ أوْ نخلةٍ أصبحتْ تنتظرُ رأيه.
كانَ الناسُ يظنون، أنَ ذلكَ دليلُ عظمة، لكنَ الأعوامَ كانتْ تروي قصةً أخرى، فالرجالُ انشغلوا بالخصوماتِ أكثر منْ الزراعة، والشبابِ حملوا البنادقَ قبلَ أنْ يحملوا المحاريث، والنساءَ انتظرنَ أبناءهنَ العائدينَ منْ النزاعاتِ أكثر مما انتظرنَ مواسمَ الحصاد، معَ مرورِ الزمن، صارتْ الحقولُ أقلَ خضرة، والآبار أقلّ ماء، والبيوت أكثر حزنا، أما الشيخ، فكانَ يبتسمُ كلما اتسعتْ دائرةُ نفوذه، غير منتبه إلى أنَ الدائرةَ نفسها تضيقُ على أعناقِ الجميع.
في الجانبِ الثاني منْ الوادي كانتْ هناكَ شيخا آخر، وبمنظرٍ وتصرفٍ مناقضٍ للشيخِ الأول، وبعشيرةٍ صغيرة، لا تكادُ تذكرُ بينَ العشائرِ الكبرى، فشيخها لمْ يكنْ يملكُ كثرةَ الرجال، ولا وفرةْ السلاح، ولا اتساع الأرض، لكنهُ كانَ يملكُ شيئا آخر، كانَ يقول: منْ جعلِ جارهِ عدوه، نام، وسلاحه تحتَ رأسه، ومنْ جعلَ البعيد صديقا، عادَ إلى بيتهِ مطمئنا.
لمْ ينشغلْ بالعشائرِ القريبة، ففتحَ أبوابَ عشيرتهِ للقوافلِ القادمةِ منْ أماكنَ بعيدة، أقامَ علاقاتٍ معَ قبائلَ لا تشتركُ معهُ في النسب، ولا في اللهجة، وربما لا في العاداتِ أيضا، كانَ يقولُ لأبنائه: لا تسألونَ الرجلَ منْ أينَ جاء، بلْ ماذا يحملُ منْ علم، وماذا يضيفُ إلى أرضكم.
جاءهُ نجارٌ منْ مكانٍ بعيد، فبنى لهمْ أبوابا لمْ يعرفوها منْ قبل، وجاءَ حداد، فعلمهمْ أدوات جديدة، وجاءَ معلما، ففتحَ مجلس للصغار، وجاءَ طبيبا، فخفَ المرض، ثمَ جاءَ تاجرا، فانتعشتْ الأسواق، أصبحتْ العشيرة الصغيرة مقصدا لكلِ منْ يبحثُ عنْ فرصةٍ أوْ علمٍ أوْ تجارة، ولمْ يطلقْ الشيخُ رصاصةً واحدة، بلْ كانَ يشتري السلام، إذا كانَ ثمنهُ أقلَ منْ الحرب، ويصبرُ إذا كانَ الصبرُ يوفرُ دماءَ الناس، ويتنازلُ عنْ كبريائه، إذا كانَ في ذلكَ بقاء لأبنائه.
كانَ بعض الشيوخِ المجاورينَ لعشيرته، يسخرونَ منه، ويقولون: هذا شيخٌ لا يعرفُ معنى الهيبة، فيبتسمُ ويجيب: الهيبةُ، التي تحتاجُ إلى دمِ الناسِ … ليستْ هيبة.
مرتْ السنوات، كبرَ أطفالُ العشيرتين، لكنَ الفرقَ بينهما أصبحَ واضحا، في الأولى، كثرتْ المقابرُ نتيجةْ الغزوِ الكثيرِ للقبائلِ الأخرى والناسِ المستطرقةِ باسمِ الشجاعةِ والهيبة، وفي الثانية، كثرتْ مراكزُ تعليمِ القراءةِ والكتابِ والملالي.
في الأولى، كانتْ المجالسُ تمتلئُ بقصصِ الثأرِ والقتلِ والشجاعة، وفي الثانية، امتلأتْ بأخبارِ التجارةِ والزراعة، في الأولى، كانَ الرجلُ يورثُ ابنهُ بندقية، وفي الثانية، كانَ يورثهُ أرضا ومتجرا وكتابا.
حينَ تقدمِ العمرِ بالشيخِ الكبير، لمْ يتغيرْ شيء، فقدْ ظلَ يظنُ أنَ السيطرةَ انتصار، وأنَ الخضوعَ محب، وأنَ كثرةَ الأتباعِ دليلُ خلود، حتى جاءَ يومُ رحيله، فانتشرَ الخبرُ في كلِ القرى.
احتشدتْ الجموعُ امتلأتْ الطرقُ بالرجال، رفعتْ الرايات، أقيمتْ سرادقات العزاء، واستمرتْ الوفودُ تأتي أياما طويلة، فقد كانَ المشهدُ مهيبا، لكنَ شيخا مسنا وقفَ بعيدا، نظر إلى الحقولِ اليابسة، ثمَ قالَ بصوتٍ خافت: ما أكثر منْ جاءَ يشيعْ الرجل … وما أقلّ ما بقيَ بعده، لمْ يتركْ وراءهُ إلا خصومات تنتظرُ منْ يرثها، وفقرا يبحثُ عنْ منْ يداويه، وأحقادا تحتاجُ إلى أجيالٍ حتى تموت، أما العشائرُ التي حاولَ أنْ يبتلعها، فقدْ خرجتْ جميعها ضعيفة، مثقلةً بالجراح، حتى عشيرتهِ نفسها لمْ تسلمْ منْ آثارِ ما صنع. بعدَ أعوامٍ قليلة.
رحلَ الشيخُ الآخر، لمْ يسمعْ بخبرِ موتهِ إلا أهل قريته، وبعض أصدقائهِ البعيدين، لمْ تكنْ هناكَ مواكبُ ضخمة، ولا راياتٌ كثيرة، ولا أصواتٌ مرتفعة، فقدْ حملهُ أبناؤهُ وإخوتهُ وأحفادهُ إلى مقبرةٍ صغيرةٍ قربَ بيته. ودفنوهُ بهدوء.
عادَ كلٌ واحدٍ منهمْ إلى عمله، إلى مزرعته، إلى متجره، ولمْ يحتجْ أحدٌ إلى منْ يميلُ أبناؤه، ولا إلى منْ يطعمُ أرملته، فقدْ تركَ لهمْ ما هوَ أثمنُ منْ المال، فقدْ تركَ لهمْ طريقة في التفكير، تركا لهمْ احترامَ الإنسان، تركَ لهمْ قيمةُ العلم، وتركا لهمْ مجتمعا يعرفُ كيفَ يقفُ على قدميه.
بعدَ عشراتِ السنين، لمْ يبقَ منْ الشيخينِ إلا الذكرى، كانَ المسافرَ إذا مرَ بالوادي سأل: أينَ كانتْ أرض الشيخِ الكبير؟ فيشيرُ الناسُ إلى أطلالٍ وآبارٍ مهجورة، ثمَ يقولون: هنا كانتْ الحروبُ أكثرَ منْ السنابل.
ثمَ يسأل: أينَ كانتْ أرض الشيخِ الآخر؟ فيبتسمُ أهلُ القرية، ويشيرونَ إلى البساتينِ والبيوتِ العامرةِ والمدارسِ والأسواق، ويقولون: هنا، فهمْ رجالٌ واحد أنَ النفوذَ لا يصنعُ الأمم، وأنَ الإنسانَ أغلى منْ الغلبة.
يقالُ إنَ حفيدا صغيرا وقفَ يوما عندَ قبرِ جده، وسألَ أباه: كيفَ نعرفُ عظمةَ الرجالِ بعدَ موتهم؟ ابتسمَ الأب، وأخذَ حفنة منْ ترابِ الأرض، ثمَ قال: انظرْ إلى ما بقيَ بعدهم، فمنْ تركَ أرضا خضراء، وناسا آمنون، وعقول متعلمة، فقدْ عاشَ مرتين، ومنْ تركَ وراءهُ الخوف والجوع والعداوات، فقدْ ماتَ قبلَ أنْ يدفن.
منذُ ذلكَ اليوم، صارَ أهلُ الوادي يرددونَ حكمةً تناقلتها الأجيال: ليسَ الشيخ منْ كثرتْ الجموعُ في جنازته، بلْ الشيخِ منْ كثرتْ النعمُ بعدَ غيابه، فالناسُ قدْ يجتمعونَ للمهابة، أوْ للعادة، أوْ للخوف، أما التاريخ، فلا يحفظُ إلا أثر الإنسانِ في حياةِ الناس، ولهذا بقيتْ الحكايةُ تروى في ليالي الشتاء، لا لتخبرَ الناس كيفَ ماتَ الشيخان، بل؛ لتسألهمْ سؤالاً واحدا.
✦ كتابات في الميزان ✦
يقدّم المقال حكاية رمزية موفقة عن نموذجين متناقضين للقيادة: أحدهما يبني نفوذه بالخوف والصراع وإضعاف الآخرين، والآخر يصنع مكانته بالعلم والسلام والانفتاح وبناء الإنسان. وتكمن رسالته الأعمق في أن قوة القائد لا تُقاس باتساع سلطته أو بكثرة أتباعه، وإنما بما يتركه بعد رحيله من أمن ومعرفة وازدهار. فالتاريخ في النهاية لا يتذكر ضجيج الزعامة بقدر ما يتذكر أثرها في حياة الناس.
