جائحة الفساد اجتاحت مساحة البلد بقوة، نخرت كل زواياه بمخطط مدروس قادته رؤوس الفساد وأدواتها أفراد من المجتمع، بعد أن اطمأنت لسلوك الدولة الغافية ولقوانينها المعطلة ولرقابتها غير الفاعلة في تلك الفترة، وبعد عقدين ونصف من الزمن بمطالبات يومية ومظاهرات صاخبة وتضحيات جسيمة لم يهتز لها ضمير أو ينتفض مارد لإنقاذ البلد منها، مضى عليها زمن استغلها جيوش من الغزاة لنهش جسد البلد والعبث بثرواته وأموال شعبه.
2026 ظهر من نثق به كونه من خارج المنظومة السياسية، لم يتلوث بفسادها أو يعمل بوظائفها، أوليات برنامجه الإصلاح والقضاء عليها أو على الأقل تحجيمها بغية البدء بمحاسبة رؤوسها. نعيش اليوم حالة من وخز الضمير في المحاسبة والمتابعة ونبش العقود الماضية على يد هيئة عليا للتدقيق وفريق عمل فاعل بمعاونة هيئة النزاهة والرقابة المالية.
بغية معالجتها، على المتابع أن يبحث في مسبباتها والدوافع التي كانت وراء استفحالها.
شياع الثروات وهدر الأموال بهذه الطريقة أسباب، والمثل الشعبي يقول: (المال السائب يعلم على السرقة)، كيف...؟؟؟؟
بداية الاحتلال الأمريكي ودخول قوات التحالف عام 2003 هزلت الدولة ككيان، وضعفت كقوة، وانهارت كمؤسسات، فلا رقابة تعمل ولا قانون يحاسب ولا مجسات حماية في الميدان (قوات مسلحة وأجهزة أمنية)، فكانت ساحته فارغة. ساهم بولادة جيوش من عتاة الجريمة وأصحاب السوابق لتنفيذ برامجهم الدنيئة ويكوّنوا أذرع تعمل وفق توجيهاتهم الرامية للسيطرة والعبث بمال الدولة، فتسيّد من تسيّد آنذاك، مجاميع شكلوا مافيات تدير مؤسسات وتجارة وعمليات تخريب وقتل ومقاولات ومصادرة أراضي واللعب بسجلات العقارات، ونلاحظ آثارها تظهر الآن.
ساعدها في بناء كيانها عوامل ساهمت بشكل كبير في دعمهم وتقوية أصولهم منها:
01- وضع الشخص غير المناسب في المكان المناسب.
02- تهميش الكفاءات.
03- إشاعة الرشوة.
04- شراء المناصب.
05- الاستثمار وإشاعة أملاك الدولة.
06- التوسط بالحصول على مقاولة أو عقد تجارة بعيداً عن اللوائح والقوانين.
07- إحالة العقود والمقاولات والاستثمارات لمنتفعين بعيداً عن المنافسة الشريفة وتقديم العطاءات وفق نظام عادل.
08- وضع تخمينات مهولة لأي مشروع مزمع إقامته أو الدعوة لتنفيذه.
09- البيروقراطية الإدارية وتلكؤ الإجابة في المخاطبات.
10- السلف التشغيلية والاستثمارية بعيداً عن المتابعة والتدقيق.
11- سلف المصارف الحكومية والمبادرات، خاصة في جانبي الزراعية والصناعية.
12- ضعف سيادة القانون وعدم تطبيقه بعدالة.
13- غياب الشفافية في إدارة المال العام والقرارات غير المدروسة.
14- ضعف الرقابة على مؤسسات الدولة والعاملين فيها.
15- استغلال السلطة لتحقيق منافع شخصية أو حزبية.
16- المحسوبية والواسطة في التعيينات والترقيات والعقود والمناصب.
17- ضعف الوازع الأخلاقي والنزاهة لدى بعض الأفراد.
18- التعقيدات الإدارية والبيروقراطية التي تفتح المجال للرشوة.
19- انخفاض مستوى الوعي المجتمعي بحقوق المواطنين وآليات الإبلاغ عن الفساد.
20- الظروف الاقتصادية الصعبة مثل الفقر والبطالة والتي تزيد من قابلية بعض الأفراد للانخراط في ممارسات فاسدة.
أسباب كثيرة أوجزناها كانت عامل مساعد لإشاعة هذه الجائحة التي لا تقل عن الإرهاب بشاعة أو جريمة، تلطخ الكثير بها بل ساهم بإشاعتها ومحاولة توريط البعض حتى غاص في قاع وحلها.
حتى نستطيع معالجتها من الجذور والقضاء على مظاهرها، لابد من خطوات عملية تقوم بها الحكومة بمساعدة الشعب منها:
01- قرار مجلس النواب العراقي بفتح ملفات عقود وزارة الكهرباء للسنوات الماضية، وكذلك قيامه بسحب الحصانة عن البعض ووقوفه داعماً لإجراءات الحكومة بمطاردة الفاسدين وتفعيل أوامر القبض وإلقاء القبض عليهم عامل مهم للحد منها.
02- دعوة رئيس مجلس الوزراء للهيئات الرقابية في النزاهة والرقابة المالية بتدقيق العقود قبل توقيعها من قبل الوزير المختص، على أن تنجز خلال عشرة أيام، على أن تكون الجهات الرقابية لا تخضع للمحاصصة السياسية وتكون مهنية خالصة، معيارها الكفاءة والعطاء والانتماء والولاء للوطن ومؤسساته، وأن تكون الرقابة الدرع الواقي للدولة وبعيدة عن المغالاة، تبني عقلية وقائية بقدر ما هي رقابية وتنتقل من مرحلة (كشف المخالفة) إلى (منع المخالفة).
03- العمل بنظام الحوكمة لإشغال الوظائف الحكومية.
04- إعادة العمل بأقسام العقود والعطاءات ومنع إحالة أي مشروع مباشرة لأي جهة.
05- اعتماد مبدأ الشفافية في كافة تعاملات الدولة المالية.
06- منع الوسطاء في التواجد داخل أروقة الدوائر الحكومية بغية تحصين الموظف من الرشوة والمحسوبية.
07- اعتماد الكفاءة والخبرة والنزاهة والتحصيل الدراسي في إشغال المناصب.
08- وضع الشخص المناسب بالمكان المناسب.
09- البحث عن الكفاءات وذوي الخبرة لإعطائهم فرصة المشاركة لبناء الوطن.
10- تفعيل سلطة القانون وكما نراه الآن.
ومن الله التوفيق
