رسول الأمة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾

وُلِد النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) في مكة المكرمة عام الفيل، الموافق لسنة 571 ميلادية. واختلف العلماء في تحديد يوم ولادته بدقة؛ فالمشهور عند أهل السنة أنه في 12 ربيع الأول، وعند الشيعة الإمامية في 17 ربيع الأول، وكان ذلك يوم الاثنين.

بُعث النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بالرسالة وعمره أربعون سنة. واختلف العلماء في التحديد الدقيق ليوم المبعث؛ فيُروى في المشهور عند الإمامية أنه كان في 27 رجب، قبل الهجرة بثلاثة عشر عاماً، الموافق لسنة 610 ميلادية، بينما يذهب جمهور أهل السنة إلى أن بدء نزول الوحي كان في شهر رمضان المبارك.

كان نبيَّ رحمة، ورسولَ حق، ومبعثَ خيرٍ وبركة ونعمة للعالمين جميعاً؛ به اقتدى المقتدون، وبرسالته اهتدى المهتدون. بُعث للأمة منقذاً، وللإسلام داعياً، وبالوحدانية مؤمناً: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾.

كانت جاهليةُ العقل منقادةً للهوى، ظالمةً للنفس، وائِدةً للأنثى، مشركةً بوجود الله، تعبد الأصنام. سلوكها القوة، وديدنها السيطرة، لا ترعى للجار حرمة، ولا للإنسان قيمة؛ تستعبده بدراهم، وتتاجر بالجواري، وتشرب الخمر، وتتبع الشهوة.

فَهُوَ الَّذِي تَمَّ مَعْنَاهُ وَصُورَتُهُ
ثُمَّ اصْطَفَاهُ حَبِيباً بَارِئُ النَّسَمِ

جاء محمد (ص) برسالته السماوية، بوحدانية عبودية الخالق سبحانه وتعالى، يؤمن بأن الإنسان حرّ، وللعدل سمة، وللخُلُق سلوك، وللأدب ممارسة.

نموذج فذ، ورجل الفضل والعقل والكمال، ومثال الحكمة والوقار والجلال؛ عالم، حكيم، تقي، شجاع، حازم، معصوم من الخطأ والزلل، وأسوة لبني الإنسان مدى الدهر: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.

فقد اصطفاه الله واختاره من بين جميع خلقه، ووصفه جلّ وعلا في القرآن الكريم: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. وهو أشرف الأنبياء والمرسلين، وأعظم وأكمل رجل وُجد على وجه الأرض؛ عاقل، ومدبّر، وإمام الكل، وصادق أمين.

إنسان شرَّف الله به الإنسانية، وأكرم الله به البشرية. لو تمثّل العدل في كيان لتمثّل في كيانه، ولو صُوّر الطهر في روح لكانت روحه، ولو رُسمت الفضيلة في ذات لكانت ذاته.

نور النبوة بين جنبيه، وسراج الرسالة يجري بين يديه، وتاج العصمة على رأسه. كلامه صدق، وفعله حق، ومنهجه قويم، وصراطه مستقيم، وخُلُقه عظيم، وجنابه كريم. يدور الحق معه حيثما دار، وتسير البركة معه حيثما سار، ويسبقه القبول إذا توجّه، وتنزل معه الرحمة إذا نزل، ويقيم معه الجود إذا أقام، ويرتحل معه البِشر إذا ارتحل.

هو اليسر كله؛ فدينه، وكتابه، وسنته، وأمره ونهيه يُسر؛ لأنه مُيسَّر لليسرى. يدعو بسيرته أكثر من كلامه، وبخُلُقه أكثر من خطبه، وبلينه ورفقه أكثر من شدته وبطشه.

فتح الدنيا لأمته بكنوزها ودورها وقصورها، ثم ذهب إلى ربه ودرعه مرهونة في ثلاثين صاعاً من شعير عند يهودي. أسر قلوب الناس برحمته، وألَّف بين قلوبهم بلطفه، وآخى بينهم بحكمته، ورفع الجهل عنهم بعلمه، ووضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم بيُسره.

أتى بدين ودولة، وقلم وسيف، ومحراب ومنبر. أتى لصلاح الروح والبدن، والدنيا والآخرة، والرجل والمرأة. ولم تُعرف له عثرة، ولم تُسجَّل له غلطة؛ عصم الله قلبه، وزكّى فؤاده، وطهّر روحه، وحفظ سمعه وبصره، ومدح نهجه، وأثنى على خُلُقه، وأشاد بإمامته. فهو سبحانه الذي اصطفاه للعالمين رسولاً، وللأميين معلماً، وللناس قدوة.

وَأَبْيَضُ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ
ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ

يَلُوذُ بِهِ الْهُلَّاكُ مِنْ آلِ هَاشِمٍ
فَهُمْ عِنْدَهُ فِي رَحْمَةٍ وَفَوَاضِلِ

تزوّج من السيدة خديجة، وهي من خيرة نساء قريش شرفاً وأكثرهن مالاً، وكانت تُدعى في الجاهلية بالطاهرة. ورفضت كل من تقدّم إليها من كبار الشخصيات القرشية، واختارت محمداً «الصادق الأمين».

فأرسلت نفيسة بنت منية إلى رسول الله (ص) لتخبره برغبة خديجة في الزواج منه، فقبل ذلك وشاور أعمامه، وذهب أبو طالب لخطبة السيدة خديجة، فتمّ الزواج المبارك بين رسول الإسلام والسيدة خديجة.

توفي النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم الاثنين من شهر ربيع الأول عام 11 هجرياً، الموافق لسنة 632 ميلادية، في المدينة المنورة، عن عمر ناهز الثالثة والستين.

سلام عليك يوم وُلدت، ويوم متّ، ويوم تُبعث حياً.

✦ كتابات في الميزان ✦

يستعرض المقال سيرة الرسول الأكرم محمد (ص)، منذ ولادته وبعثته حتى رحيله، مركّزاً على ما أحدثته رسالته من تحول في المجتمع وانتقال بالإنسان من الجاهلية إلى التوحيد والعدل. ويرسم صورة وجدانية لأخلاق النبي ورحمته وزهده وحكمته، مستشهداً بالآيات القرآنية والأبيات الشعرية. ويذكّر النص بأن الاقتداء بالرسول لا يقتصر على الاحتفاء بسيرته، بل يتحقق بتجسيد قيم الرحمة والعدالة والأخلاق في حياة الأمة.

النبي_محمد.jpg