تتداولُ أنباءٌ عن أنَّ تكلفةَ الحجِّ البريِّ لهذا العام، قد تصلُ إلى نحو خمسةِ ملايينِ دينارٍ عراقي، فيما تتجاوزُ تكلفةُ الحجِّ الجويِّ سبعةَ ملايينِ دينار، تبدو هذه المبالغُ في متناولِ بعضِ المواطنين، لكنها تمثّلُ عبئًا ماليًا كبيرًا على شريحةٍ واسعةٍ من المجتمع، ولا سيما كبارَ السنِّ والمتقاعدينَ وذوي الدخلِ المحدود ، فكثيرٌ من هؤلاءِ لا يتقاضونَ رواتبَ تقاعديةً مرتفعة، وبعضُهم يتحمّلُ مسؤولياتٍ عائليةً كبيرة، ويذهبُ جزءٌ مهمٌّ من دخلِه في تغطيةِ نفقاتِ العلاجِ والأدويةِ ومستلزماتِ الحياةِ اليومية، الأمرُ الذي يجعلُ تحمّلَ تكاليفِ الحجِّ أمرًا بالغَ الصعوبةِ بالنسبةِ إليهم، رغمَ ما يحملُه الحجُّ من مكانةٍ دينيةٍ عظيمةٍ وأمنيةٍ راسخةٍ في نفوسِ المسلمين ، معَ ذلك، يبقى الحجُ أمنية عظيمة تسكنُ قلوبهم، ويتمنونَ تحقيقها قبلَ أنْ يغادروا هذهِ الدنيا؛ أنْ يقفوا في عرفات، ويطوفوا حولَ الكعبةِ المشرفة، ويزورونَ مدينةَ رسولِ اللهِ محمدٍ (ص).
هنا يبرزُ سؤالٌ إنسانيٌّ وأخلاقيٌّ، قبلَ أنْ يكونَ سؤالًا ماليًّا : ألا يستحقُّ هؤلاءِ المواطنونَ شيئًا منَ الدعمِ والمساندة؟ ففريضةُ الحجِّ، وإنْ كانتْ مرتبطةً بالاستطاعةِ، كما قالَ اللهُ سبحانه وتعالى: ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) [آل عمران: 97]، فإنَّ الشوقَ إلى بيتِ اللهِ الحرامِ لا يعرفُ عمرًا ولا طبقةً اجتماعية، ولا سيما عندَ كبارِ السنِّ الذينَ أفنوا سنواتِ أعمارِهم في خدمةِ أسرِهم ومجتمعِهم، ثمَّ بقيَ في أعماقِ قلوبِهم رجاءٌ عزيزٌ، بأنْ تطأَ أقدامُهم أرضَ الحرمين، ويقفوا بينَ يديِ اللهِ في تلكَ البقاعِ الطاهرة، مؤدّينَ فريضةً طالما تمنّوا أداءَها قبلَ أنْ يلقوا ربَّهم.
ما أجملَ أنْ يجدَ المواطنُ دولتَه إلى جانبِه في مثلِ هذه اللحظات، يشعرَ بأنَّ سنواتِ عمرِه وتضحياتِه لمْ تذهبْ سدى، وأنَّ المجتمعَ الذي عاشَ منْ أجلِه قادرٌ على أنْ يردَّ له شيئًا منَ الوفاءِ، فيعينَه على الوصولِ إلى بيتِ اللهِ الحرامِ، ويتركَ في قلبِه قبلَ الرحيلِ ذكرى طيبةً عن وطنٍ لمْ ينسَ أبناءَه، ولا سيما حينَ تضعفُ قدرتُهم وتكبرُ أمنياتُهم.
تعدُ الاستطاعة شرطا شرعيا معلوما، ولا يكلفُ اللهُ نفسا إلا وسعها، لكنَ هذا لا يعني أنَ القادرينَ لا يساعدونَ غيرَ القادرين، ولا يعني أنَ الدولةَ والمجتمعَ والمؤسساتِ الخيرية، يقفونَ موقف المتفرجِ أمامَ إنسانٍ محتاجٍ يتمنى أداءَ هذهِ الفريضة، ولا يستطيعُ تحمل تكاليفها، بلْ إنَ مساعدةَ المحتاجينَ والتعاونِ على الخيرِ منْ القيمِ التي حثَ عليها الإسلام، قالَ تعالى: (وتعاونوا على البرِ والتقوى) سورةْ المائدة: 2، وقالَ رسولُ اللهِ (محمد) صلى اللهُ عليهِ وسلم: (منْ كانَ في حاجةِ أخيهِ كانَ اللهُ في حاجتهِ) .
إنَ دعمَ الحجاجِ لا ينبغي أنْ يكونَ منة منْ أحد، بلْ يمكنُ أنْ يكونَ برنامجا إنسانيا واجتماعيا منظما، يخضعُ لضوابطَ دقيقة، يستهدفُ الفئاتِ الأكثرَ حاجة، بعيدا عنْ الاستغلالِ السياسيِ والإعلاميِ والتصوير والدعاية، كما يمكنُ للمؤسساتِ الخيرية، رجال الأعمال، أصحاب المصارفِ والشركات، وأهل الخير، أنْ يسهموا في هذا البابِ منْ خلالِ إنشاءِ مبادراتٍ أوْ صناديقَ لدعمِ الحجاجِ المحتاجين، على أنْ يتمَ ذلكَ بما يحفظُ كرامةَ الإنسان، وبعيدا عنْ التصويرِ والاستعراض، فليسَ كلّ خيرٍ يحتاجُ إلى كاميرا، وليسَ كلُ إحسانٍ يحتاجُ إلى إعلان.
قالَ سبحانهُ وتعالى: ( وإنْ تخفوها وتؤتوها الفقراء فهوَ خيرٌ لكم) سورةْ البقرة: 271. ما أجملَ أنْ يصلَ الدعمُ إلى حاجٍ محتاجٍ دونَ أنْ يطلبَ منهُ أنْ يقفَ أمامَ الكاميرات، أوْ أنْ تتحولَ حاجتهُ إلى مادةٍ للدعاية، فكرامةُ المحتاجِ جزء منْ قيمةِ العطاء، ربما كانَ العطاءُ الخفيُ أصدقَ عندَ الله، وأقرب إلى الإخلاص. إننا لا ندعو إلى تحميلِ الدولةِ أعباء جديدة بلا حسابٍ في هذا الظرفِ الماليِ الصعب، ولا إلى إنفاقٍ غيرِ منظم، وإنما ندعو إلى إعادةِ ترتيبِ الأولويات، وتقليل النفقاتِ غيرِ الضرورية، وتوجيه جزءٍ منْ المواردِ نحوَ الإنسان، ولا سيما نحوَ منْ يحتاجُ إلى المساعدةِ في تحقيقِ فريضةٍ عظيمة.
نأملُ منْ المؤسساتِ الخيريةِ والمصارفِ ورجالِ الأعمالِ وأهلِ الخيرِ، أنْ يلتفتوا إلى هذهِ الشريحة، وأنْ يسهموا في تحقيقٍ أمنية منْ ظهرتْ أسماؤهمْ في قرعةِ الحج، ولا سيما كبار السنِ والفقراءِ ، فما أعظمَ أنْ يكونَ للإنسانِ نصيب في أنْ يصلَ حاجٌ محتاجٌ إلى بيتِ اللهِ الحرام، ويقفَ في عرفات، وأنْ يطوفَ حولَ الكعبة، ويرفعَ يديهِ بالدعاء.
✦ كتابات في الميزان ✦
يسلّط المقال الضوء على الأعباء المالية التي قد تحول دون أداء كبار السن ومحدودي الدخل فريضة الحج، داعياً إلى تكامل مسؤولية الدولة مع مبادرات الميسورين والمؤسسات الخيرية. ويؤكد أن دعم الحاج المحتاج ينبغي أن يخضع لضوابط عادلة تحفظ كرامته بعيداً عن الدعاية والاستغلال. فالخير الحقيقي لا يُقاس بحجم الإعلان عنه، بل بقدرته على تحقيق أمنية إنسان وصون كرامته.
