لا نستحضر مجرد يوم رحيل، بل نستحضر حياة حافلة بالآلام والمحن، قضاها في سبيل تبليغ الرسالة ومواجهة التكذيب والأذى، حتى قال يصف نفسه: «ما أُوذي نبي مثل ما أُوذيت».
لقد ذاق (صلى الله عليه وآله) من قومه ألواناً شتى من الأذى؛ كُذّب، واتُّهم بالسحر والكهانة والجنون، وتحمّل من المشاق ما لا يحتمله أحد.
ولم تتوقف محاولات النيل منه عند هذا الحد، بل امتدت عبر القرون، حتى وصلت إلى الكتابات الغربية التي صوّرته بصور شتى، كان بعضها أقرب إلى الأساطير.
فقد نسبوا إليه روايات مضحكة، حاشاه عن ذلك، فزعموا أنه لم يكن يتلقى الوحي، وإنما كان يدرّب حمامةً يضع لها حبات القمح في أذنه لتلتقطها، فيقول إن الوحي قد نزل!
وسطروا أنه وضع القرآن على قرن بقرة وأخرجه إلى الناس، في محاولة لربط القرآن بسورة البقرة، وتفسير النص القرآني بتفسيرات ساذجة.
والأدهى من ذلك، زعموا أن ما كان يحدث للنبي (صلى الله عليه وآله) عند نزول الوحي لم يكن اتصالاً بالسماء، وإنما حالة صرع.
لماذا كل ذلك؟
لأن إسقاط الوحي يعني إسقاط المصدر الإلهي للقرآن، وتحويل الإسلام من رسالة سماوية إلى مشروع بشري صنعه محمد (صلى الله عليه وآله).
ولا بد أن نعي: من يتحمل مسؤولية هذه الإساءات؟
هل يتحملها أصحاب الأقلام وحدهم؟
أم يتحمل جزءاً منها الذين عرفوا محمداً (صلى الله عليه وآله)، ولم يقدّموا سيرته للعالم بشكلها الصحيح؟
حاولوا أن يجعلوا منه أسطورة بشرية، فبقيت سيرته حية.
وحاولوا أن يجعلوا القرآن صناعة بشرية، فبقي يتلوه الملايين، ويؤثر في القلوب والعقول.
رحل محمد (صلى الله عليه وآله) بجسده، لكن رسالته لم ترحل؛ وغاب عن الدنيا شخصه، وبقي أثره حاضراً في كل صلاة، وفي كل أذان، وفي كل آية تُتلى، وفي كل قلب عرف مقامه وآمن برسالته.
فالنور لا تطفئه الكلمات، والحق لا يسقطه الافتراء، وسيرته باقية في قلب كل من يعرف الحق.
✦ كتابات في الميزان ✦
يستحضر المقال ما تحمّله الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) من أذى في حياته، وما امتد بعد رحيله من محاولات لتشويه سيرته والطعن في مصدر الوحي. ويحمّل المسلمين جانباً من مسؤولية تقديم شخصيته ورسالته إلى العالم بصورة صحيحة. فرغم رحيل الجسد، بقيت السيرة حاضرة، وبقي القرآن شاهداً على رسالة لا تستطيع الافتراءات إطفاء نورها.
