منذ سنوات، لا يكاد يخلو تصريح لنائب أو مسؤول حكومي من الحديث عن الفساد في ملف الاستثمار. هذا يتحدث عن استغلال الأراضي، وذاك يحذّر من منح إجازات استثمارية بطرق تثير الشبهات، وآخر يكشف عن مشاريع متلكئة أو عقود يشوبها الغموض، حتى بات من النادر أن نجد من ينكر وجود خلل حقيقي في هذا الملف.
لكن، وسط هذا الضجيج، يبرز سؤال لا يقل أهمية عن الحديث نفسه، ومفاده: إذا كان الجميع يعرف أن هناك ثغرات تُستغل لتمرير الفساد، فلماذا لا تتحول هذه المعرفة إلى مبادرات تشريعية تعالج أصل المشكلة؟
إن أخطر ما في المشهد ليس الاعتراف بوجود الفساد، بل الاكتفاء بتكرار الحديث عنه؛ لأن التصريحات، مهما ارتفع سقفها، لا تغلق ثغرة قانونية، ولا تمنع استغلال النفوذ، ولا توفر حماية للمال العام. الذي يفعل ذلك هو القانون عندما يكون واضحاً، متماسكاً، وخالياً من الثغرات التي تسمح بالالتفاف عليه.
ولأن الاستثمار تحكمه النصوص القانونية قبل أن تحكمه النوايا، فإن أي حديث عن مكافحة الفساد يظل ناقصاً إذا لم يقترن بمراجعة قانون الاستثمار وتعديل مواده التي أثبت التطبيق العملي أنها بحاجة إلى إصلاح. فالقوانين لا توضع لتبقى جامدة، بل لتتطور كلما كشفت التجربة عن مواطن ضعف فيها.
ومن هنا، فإن المسؤولية لا تقع على الجهات التنفيذية وحدها، بل تمتد إلى مجلس النواب، بوصفه الجهة التي تمتلك سلطة التشريع. والرقابة البرلمانية لا تقتصر على استجواب المسؤولين أو عقد المؤتمرات الصحفية، بل تشمل أيضاً مراجعة القوانين النافذة واقتراح تعديلها عندما تصبح جزءاً من المشكلة، بدلاً من أن تكون جزءاً من الحل.
فإذا كان نائب يصرّح مراراً بأن قانون الاستثمار أو آليات تطبيقه فتحت الباب أمام الفساد، فمن الطبيعي أن يسأل الرأي العام: هل تقدم هذا النائب بمشروع لتعديل هذا القانون؟ وهل عمل داخل اللجان المختصة على معالجة الثغرات التي يتحدث عنها؟ أم إن دوره توقف عند حدود التصريح؟
والأمر ذاته ينطبق على الحكومة؛ فالوزارات والهيئات المعنية هي الأكثر دراية بالعقبات التي تواجه تنفيذ المشاريع الاستثمارية، وهي الأقدر على تشخيص النصوص التي تحتاج إلى تعديل. ولذلك، فإن الاكتفاء بوصف المشكلات من دون تقديم مشاريع قوانين لمعالجتها يعني أن التشخيص لا يتحول إلى إصلاح.
لقد أثبتت التجارب في مختلف الدول أن الفساد لا ينمو فقط بسبب ضعف الرقابة، بل أيضاً بسبب ضعف التشريع؛ إذ إن كل نص غامض، وكل صلاحية متداخلة، وكل إجراء يفتقر إلى الشفافية، يمثل منفذاً لاستغلال النفوذ أو تحقيق مكاسب غير مشروعة. ولهذا، فإن إصلاح القانون هو أحد أهم أدوات الوقاية من الفساد، وليس مجرد إجراء إداري لاحق لوقوعه.
والمؤسف أن ملف الاستثمار تحول، في كثير من الأحيان، إلى ساحة للتنافس في إطلاق التصريحات، بينما ظل النقاش التشريعي محدوداً، رغم أن العلاج الحقيقي يبدأ من داخل قبة البرلمان، لا أمام عدسات الكاميرات. فالمواطن لا ينتظر من ممثليه أن يكرروا ما يعرفه الجميع، بل ينتظر منهم أن يستخدموا صلاحياتهم لتغيير الواقع.
ولا يعني ذلك أن تعديل قانون الاستثمار سيكون كفيلاً بالقضاء على جميع أشكال الفساد، فهذه معركة تتطلب قضاءً مستقلاً، وأجهزة رقابية فاعلة، وإدارة كفوءة. لكن من المؤكد أن أي معركة ضد الفساد ستظل منقوصة إذا بقي القانون نفسه يتيح منافذ للاستغلال أو يفتقر إلى الضمانات الكافية للشفافية والمساءلة.
إن التشريع هو الاختبار الحقيقي لجدية مكافحة الفساد؛ فمن السهل أن يعلن نائب أو مسؤول رفضه للفساد، لكن الأصعب هو أن يبادر إلى تعديل النصوص التي تسمح بحدوثه. ومن السهل أن يصف الخلل، لكن الأهم هو أن يعمل على إزالة أسبابه.
لقد سمع العراقيون، خلال السنوات الماضية، عشرات التصريحات عن فساد الاستثمار، لكنهم ما زالوا ينتظرون إصلاحاً تشريعياً يوازي حجم تلك التصريحات. وإذا كان الجميع متفقاً على وجود المشكلة، فلا ينبغي أن يبقى الخلاف على الحل.
وفي النهاية، فإن من يمتلك سلطة تعديل القانون، ويقر في الوقت نفسه بأن هذا القانون، أو بعض مواده أو آليات تطبيقه، يسمح باستمرار الفساد، لا يمكنه أن يكتفي بدور المراقب. فالمسؤولية التشريعية لا تقل شأناً عن المسؤولية الرقابية، بل تسبقها في كثير من الأحيان؛ لأن القانون الجيد يمنع الفساد قبل وقوعه، بينما لا تفعل التصريحات سوى وصفه بعد أن يكون قد وقع.
ولهذا، فإن السؤال الذي يجب أن يظل مطروحاً ليس: من تحدث عن فساد الاستثمار؟ وإنما: من بادر إلى إصلاح القانون الذي سمح لهذا الفساد بالاستمرار؟
✦ كتابات في الميزان ✦
ينقل المقال النقاش حول فساد الاستثمار من دائرة التصريحات إلى جوهر المسؤولية التشريعية، مؤكداً أن كشف الخلل لا يكفي ما لم يُترجم إلى تعديلٍ للقوانين التي تسمح باستمراره. ويضع مجلس النواب والحكومة أمام اختبار عملي: معالجة الغموض وتداخل الصلاحيات وتعزيز الشفافية والمساءلة. فالتشريع الجيد يمنع الفساد قبل وقوعه، أما التصريحات فلا تتجاوز وصف نتائجه.
