القرآن الكريم هو المعجزة الخالدة والخاتمة، نزل بلغة العرب وبلاغتهم وبأفضل صورها، حتى إن الوليد بن المغيرة قال عنه: «والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يُعلى عليه».
التوراة والإنجيل نالهما التحريف وضاع الأصل، وكله بفعل فاعل، والفاعل هم قتلة الأنبياء. لغة العرب عند نزول القرآن كانت في قمة الفن والبلاغة، والبلاغة هي أقصر طريق للفهم؛ ولذا، حتى العرب فيما بينهم، إذا أضاف شخص حرفاً أو حذف حرفاً من نص قائل، عُرف ذلك بحكم براعتهم في اللغة.
لذا، جاء القرآن الكريم معجزةً ببلاغته، لدرجة أنه سرعان ما يُكشف الدخيل عليه، وهناك قصص عن ذلك، منها قصة الأصمعي مع أعرابي، وقصة المأمون مع اليهودي الذي أسلم بسبب القرآن.
اللغة العربية هي سيدة اللغات، ولغة الجنة، ولغة الإسلام، ولغة القرآن، ولا يجوز قراءة القرآن بغيرها، وكثيرة هي الآيات والأحاديث التي تبجّل اللغة العربية.
ما العمل لتحريف القرآن؟ هذا هو تفكير أعداء الإسلام. بعدما عجزوا عن تحريف النص، لجؤوا إلى أول أسلوب، وهو تحريف المعنى، أي التفسير وجعله على غير مقصوده قدر الإمكان. ساعدهم على ذلك حرق السنة، لكن هناك أهل البيت (عليهم السلام) والصحابة الخُلّص، تمكّنوا من حفظه من التحريف، بحيث عندما يُفسّر على غير معناه، تظهر التفسيرات الصحيحة لتدل على القبيحة، ولكن هناك من تشبّث بالتفسير القبيح ليجعل منه مدرسة.
في كتاب «فن التراث العربي» للدكتور مصطفى جواد، ذُكر في الصفحة (219) أن: «ابن حكيم، محمد بن أسعد بن محمد بن نصر الحكيمي، كان فاشلاً في دينه، خليعاً، قليل المروءة، ساقطاً، كذاباً، ومن تصانيفه تفسير القرآن».
تخيلوا، هكذا تفسير كيف يكون؟
وأنا أميل إلى الأسلوب الثاني لإبعاد المسلمين عن القرآن وتغيير نصه بحجة الرسم العثماني، الذي ما أنزل الله به من سلطان. الخط العربي كان بلا نقاط، ومن ثم أصبح بنقاط، وأصله كوفي، ثم بدأت تتوالى علينا أنواع الخطوط، مثلما توالت علينا أنواع القراءات، وكلها لا تصمد أمام النص الذي يؤكد ترتيل القرآن.
وهناك في العالم العربي مرتلون بمنتهى الروعة، لا سيما في السعودية ومصر، لكن الرسم العثماني الذي قلب رسم الكلمة من العربية الصحيحة إلى نموذج منحوه إجازة توقيفية من قبل رعاة الرسم، جعل القرآن في أغرب رسومات الكلمات.
حاولت أن أفهم سبب ذلك، فطالعت كتاب «الميسّر في رسم المصحف وضبطه»، تأليف د. غانم قدوري الحمد، والرجل اطّلع كثيراً على مصادر يحاول أن يسيّسها لمفهوم جلالة الرسم العثماني، ولم يوفّق. وأنا المقصّر وقفت أمام عبارات لا أفهم معناها من حيث شروط المؤلف، بل هو يعترف بأنه لا يجوز مناقشة الرسم العثماني، ومنحه رتبة مثل رتبة علوم غيبية إلهية لا يصح مناقشتها. لا أعلم كيف مُنح هذه الدرجة لاختراع بشري؟
الدكتور واثق زبيبة ثبّت الكثير من الغرائب التي دُسّت تحت مظلة الرسم العثماني في القرآن، وأغلب هذه الغرائب تخص حرف الألف والياء والتاء المدوّرة، ولا نعلم ما الضوابط التي تارةً يُحذف الألف وتارةً يوضع.
يقول مؤلف كتاب «الميسّر»: أرسل زيد مولى عثمان ليسأله عن قوله: «لم يتسنَّ» أو «لم يتسنه»، فقال عثمان: اجعلوا فيها الهاء. وفق أي ضابطة جعلها بهذا الشكل؟ يقال: لا تسأل. ونفسها أُرسلت إلى أُبي، فقال: اكتبها بالهاء.
يقول المؤلف قدوري في الصفحة (191): «لا يعني إطالة الكلام هنا في نفي الخطأ عن رسم المصاحف أن ظاهر الرسم يخلو من الإشكالات، أو أنها لا تثير تساؤلات، ولكن حل تلك الإشكالات والإجابة عن تلك التساؤلات يجب أن يكون باتجاه آخر غير اتجاه نسبة الخطأ إلى كتّاب المصاحف».
بمعنى إيجاد تخريجة لعدم الإشكال على الرسم الغريب المسمّى العثماني.
ويقول: «ظواهر الرسم تدل على أسرار خفية... قد يُتوصل إليها من خلال الكشف الرباني». أي منزلة مُنحت لهذا الرسم، لدرجة لا يفهمها القارئ؟
وأتذكر أحد حوارات التيجاني، عندما أشكلوا عليه بأن القرآن لا يحق لهم تفسير متشابهه، فقال لهم: إذن، ما فائدة قرآن لا أعلم معناه، أو لا يوجد من يعلمني معناه؟ فهل هذا أمر يصح على الله عز وجل؟
من هنا، أرى الغاية من هذا الرسم، مثلما أن المتشابه علمه عند أهل البيت (عليهم السلام)، جعلوا للرسم هذه المنزلة التي لا تستحق أدنى قداسة.
يقول تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ﴾ [الرعد: 37].
ويأتي من يأتي ليجعله بهذا الرسم، لينفّر الكثير من قراءته، بل أتاح هذا الرسم شهية الملحدين للطعن في القرآن، لا سيما عندما يكون الملحد من فطاحل اللغة العربية.
القرآن الموجود بين الدفتين، وحسب ما حكم به السيد الخوئي، صحيح وخالٍ من التحريف. نعم، هو الصحيح وخالٍ من التحريف، والإشكال على الرسم؛ فلماذا لا تُكتب «إبراهيم» كما هي، وتُكتب «إبرهم»؟
الكلام يطول.
✦ كتابات في الميزان ✦
يطرح المقال تساؤلات نقدية بشأن الرسم العثماني، مميزاً بين سلامة النص القرآني من التحريف وطريقة رسم كلماته في المصاحف. ويناقش حذف بعض الحروف وإثباتها، رافضاً منح الرسم البشري قداسة تمنع البحث والمساءلة. وتكمن حساسية الموضوع في حاجته إلى حوار علمي موثق يجمع علوم القرآن والقراءات وتاريخ الكتابة العربية.
