إيران والعرب في القرن العشرين: مرآتان لسؤال واحد

 في القرن العشرين، وقفنا جميعًا أمام المرآة وسألنا: من نحن؟ ولماذا تأخرنا؟ وكيف ننهض؟

لكن الإجابة لم تكن واحدة؛ لأن الإنسان، في النهاية، مرآة لمزاج بيئته، وبيئة إيران لم تكن كبيئة العرب، ووجع قم المقدسة لم يكن هو وجع دمشق أو القاهرة.

لو أردنا أن نختزل قرنًا كاملًا من الفكر في جملة واحدة، لقلنا: إن الإيرانيين أرادوا إصلاح الدين من خلال الدولة، في حين أراد العرب إصلاح الدولة من خلال الدين. ومن هنا تفرعت الطرق كلها.

في إيران، وتحت ظل الشاه وسطوة التغريب، ظهر علي شريعتي يتحدث بلغة سارتر وفانون، ولكن بقلب حسيني. لم يهاجم الدين، بل هاجم ما سمّاه «التشيع الصفوي»، وأراد الفصل بين تشيع صفوي جامد رأى أنه أسهم في تكريس الاستبداد، وتشيع علوي ثوري يسعى إلى تغيير بوصلة الدولة من اتجاه إلى آخر.

وفي الحقبة نفسها تقريبًا، كان سيد قطب، في سجون عبد الناصر، يكتب عن «الجاهلية الحديثة». أراد أن يفصل الدين عن الحياة الجاهلية، وأن يبني مجتمعًا قائمًا على الحاكمية. كان الاثنان ثائرين، لكن الأول ثار على فساد السلطة، فيما ثار الثاني على فساد الوجود.

وبعد الثورة، حين تغيرت بوصلة الدولة، برز مرتضى مطهري، الفقيه والفيلسوف، ليؤكد أن الدين عقلاني وقادر على إدارة الحكم. فكتب عن العدل وحقوق المرأة، وأسهم في بناء الأسس الفكرية للنظام الإسلامي في إيران.

وفي المقابل، كان محمد الغزالي، في العالم العربي، يقف على المنابر مؤكدًا أن الدين أخلاق قبل أن يكون سلطة. وكتب «هموم داعية» ساعيًا إلى تجديد المجتمع من القاعدة، لا إلى تغييره بواسطة الدولة من القمة. كان مطهري يفكر بعقل رجل دولة، بينما كان الغزالي يفكر بروح رجل دعوة.

وحين طُرح سؤال الغرب، انقسمت المرآة إلى قسمين. ففي طهران، وقف أحمد فرديد، المتأثر بفلسفة هايدغر الألماني، ليصرخ: إن مصيبتنا تكمن في أننا أصبحنا غربيين. ورأى في الحداثة غزوًا ينبغي مقاومته، ودعا إلى العودة إلى الحكمة الإسلامية والتصوف الفارسي.

أما في القاهرة، فوقف طه حسين، تلميذ السوربون، ليقول ما يقارب العكس: إن مشكلتنا تكمن في أننا لم نأخذ عن الغربيين منهجهم في التعامل مع المعرفة. ورأى في العقل والعلم طريقًا إلى النجاة. أراد فرديد تحرير الهوية الإيرانية من هيمنة الغرب، فيما دعا طه حسين إلى الأخذ بمناهج الحداثة والعقلانية في التعليم والثقافة والحياة العامة.

ومع اشتداد نقد الحداثة، ظهر مفكران كبيران لا يؤمنان بالتقليد، هما الإيراني داريوش شايغان والمصري عبد الوهاب المسيري.

قال الأول: نحن لسنا غربًا خالصًا ولا شرقًا خالصًا، بل نعيش وعيًا مزدوجًا. ودعا إلى حوار الحضارات والعيش داخل الحداثة بعيون شرقية. أما المسيري فقال: نحن نمثل نموذجًا مختلفًا؛ فالعلمانية المادية اختزلت الإنسان إلى مادة، وعلينا أن نبني نماذجنا التفسيرية البديلة. كان الأول يتنقل بين الحضارات، بينما كان الثاني يسعى إلى تشييد نموذج معرفي يحفظ خصوصية حضارته.

وأخيرًا، في أخطر الساحات، وهي ساحة النص، برز عبد الكريم سروش ونصر حامد أبو زيد ومحمد مجتهد شبستري، وقد دفع الثلاثة ثمنًا باهظًا لأفكارهم.

قال سروش: إن الوحي ثابت، أما المعرفة الدينية فبشرية وقابلة للتغير. أما أبو زيد، الأكاديمي المصري، فتعامل مع النص الديني ضمن سياقه التاريخي والثقافي، ودعا إلى دراسته بأدوات العلوم الإنسانية. كان همّ سروش التمييز بين الدين والمعرفة الدينية، بينما انصبّ اهتمام أبي زيد على تحرير العقل من هيمنة القراءات المغلقة للنص.

أما محمد مجتهد شبستري، فذهب أبعد من ذلك، فقال إن النص لا يُفهم إلا تاريخيًا، وإن الإيمان تجربة إنسانية أيضًا. وفصل بين الدين بوصفه حقيقة إلهية والقراءة البشرية للدين. ورأى أن التعددية الدينية وحقوق الإنسان ليستا بالضرورة ضد الدين، بل يمكن أن تكونا نتيجة طبيعية لفهم بشري متطور للنص. وقد دفع ثمنًا باهظًا لمواقفه، لكنه فتح الباب أمام واحدة من أوسع المراجعات الفكرية والدينية في إيران بعد الثورة.

وهنا يظهر نظيره العربي الأقرب، محمد أركون، الذي لم يأتِ من داخل المؤسسة الدينية التقليدية، بل من الوسط الأكاديمي الفرنسي، مستعينًا بأدوات اللسانيات والأنثروبولوجيا. وقد دعا إلى التمييز بين الإسلام بوصفه وحيًا والإسلام بوصفه تاريخًا وفقهًا وتفسيرًا أنتجه البشر. كان شبستري يتكلم من داخل التجربة الإيمانية الشيعية، فيما كان أركون يتحدث من داخل فضاء أكاديمي نقدي حديث.

وهكذا، اتفق علي شريعتي وسيد قطب ومرتضى مطهري ومحمد الغزالي وأحمد فرديد وطه حسين وعبد الكريم سروش ونصر حامد أبو زيد ومحمد مجتهد شبستري ومحمد أركون على ضرورة الفصل والتمييز، لكنهم اختلفوا في تحديد موضع الجرح. كان كل واحد منهم يستجيب لكسر مختلف في مرآة بيئته.

ويبقى السؤال المطروح علينا اليوم: ما الكسر الذي نراه في مرآتنا؟ وأي طريق من هذه الطرق نختار لترميمه؟

✦ كتابات في الميزان ✦

يقدّم النص مقارنة فكرية لافتة بين استجابات المفكرين الإيرانيين والعرب لأسئلة الهوية والدين والدولة والحداثة، موضحًا أن اختلاف البيئات أنتج مسارات متباينة للإصلاح. وتكمن أهميته في جمعه أسماء ومدارس متعددة داخل مرآة واحدة، لكنه يطرح أحكامًا عامة تحتاج إلى قدر من التحفظ؛ فالفكر العربي والإيراني أكثر تنوعًا من اختزالهما في مسارين متقابلين. ومع ذلك، ينجح المقال في إعادة السؤال إلى الحاضر: أين يقع كسرنا اليوم، وبأي فكر يمكن ترميمه؟

العرب_ايران.jpg