حين تكون السنون شاهدةً على الوضّاعين

مسالة الوضع ةالتحريف اخذ مني مأخذا بحكم ما اطالع من كتب للتاريخ والروايات وقد زودتني المطالعة على معرفة اساليب الوضع ، منها مثلا لا يذكرون اسم احد رجالات السند فيقولون عن فلان ، ومنها ينسبون الرواية في وقتها لرجل متوفى فلا يمكن التأكد منها ، ومرة ينسبون الرواية لرجل ثقة في نقل الحديث ، واساليب اخرى ، ومن بين هذه الاساليب ما لفت انتباهنا الا وهي السنين ، وقد اشرنا لها ضمنا في مقال سابق ، واكمالا لذلك انقل لكم هذه الروايات المتضاربة فيما بينها تخص الامام محمد الجواد ابن الرضا عليهما السلام .
قصد المأمون بغداد بعد وفاة الإمام الرضا (عليه السلام) ، وخرج يوماً للصيد ، فمَرَّ في أثناء الطريق برَهط مِن الأطفال يلعبون ، ومحمد بن علي الجواد (عليه السلام) معهم ، وكان عمره يومئذٍ إحدى عشرة سنة فما حوله ... فلمَّا رآه الأطفال فرُّوا ، بينما وقف الجواد (عليه السلام) في مكانه ولم يَفرَّ . مِمَّا أثار تَعجُّب المأمون ؛ فسأله :لماذا لم تلحق بالأطفال حين فرُّوا ؟
ـ لم يكن بالطريق ضِيقٌ لأوسِّعه عليك بذهابي ، ولم يكن لي جريمة فأخشاها .
هنا لناخذ السنين التي ذكرت بالرواية ، قصد بغداد بعد وفاة الرضا يعني سنة 203 او سنة 204 ، عمر محمد الجواد كما في الرواية ( 11) سنة 
رواية اخرى تخص الامام الجواد انه عقد على بنت المامون سنة 202 قبل وفاة الامام الرضا في خراسان وقد ذكر الطبري أنّ زواج الإمام الجواد من أم الفضل كان سنة 202 هـ
ومصدر اخر كان الإمام محمد الجواد (عليه السلام) في التاسعة من عمره عندما عُقد زواجه على أم الفضل بنت المأمون سنة 202 هـ تقريباً، 
ولادة الامام الجواد سنة 195 هـ باجماع الاعلام وعليه يكون عمره سنة 202 سبع سنوات وليس تسع سنوات كما في الرواية الاخيرة ، 
نعود لرواية المامون ونسال اذا كان الجواد عقد على ابنته في خراسان فكيف لا يعرفه وهو يتجول في بغداد؟ ومن ثم كيف يكون عمر الجواد (11) في بغداد بعد وفاة الرضا ابيه ، فالمعلوم رحلة المامون سنة 203 يكون عمر الجواد ثمان سنوات فكيف لا يعرفه وهو من عقد له في خراسان سنة 202 ، وكيف يكون عمره (11) سنة ، وامر اخر ماذا يفعل الامام الجواد وهو غلام في بغداد ؟ وحضور الامام في بغداد كان مرتين مرة لعقد قرانه بام الفضل ومرة بامر المعتصم الذي استشهد فيها سنة 220هـ ، وسؤال اخر لم تذكر المصادر اطلاقا ان الامام في طفولته كان يلعب في الشارع مع الصبية .
وعن رواية لقاء المامون بالامام في الشارع هي لتمرير رواية معجزة الباز ونصها كما ذكرها ابن شهراشوب ـ للعلم هنالك الكثير من هكذا روايات يرويها في مناقبه بلا مصادر ـ فقال أي المامون : ما تعرف من العلوم ؟ قال : سلني عن أخبار السموات » . فودّعه ومضى ، وعلى يده باز أشهب يطلب به الصيد . فلما بعد عنه نهض عن يده الباز فنظر يمينه وشماله لم ير صيداً ، والباز يثب عن يده ، فأرسله وطار يطلب الاَفق حتى غاب عن ناظره ساعة ثم عاد إليه وقد صاد حية ، فوضع الحية في بيت الطعم ، وقال لاَصحابه : قد دنا حتف ذلك الصبي في هذا اليوم على يدي ، ثم عاد وابن الرضا في جملة الصبيان .
 فقال : ما عندك من أخبار السموات ؟
 فقال : « نعم يا أمير المؤمنين ، حدثني أبي ، عن آبائه ، عن النبي ، عن جبرئيل ، عن ربِّ العالمين ، أنّه قال : بين السماء والهواء بحر عجاج يتلاطم به الاَمواج ، فيه حيّات خضر البطون ، رقط الظهور ، ويصيدها الملوك بالبزاة الشهب يمتحن بها العلماء »
اخر اربعة سطور هو المطلوب من تصديق وتمرير هذه الرواية التي كذبتها السنون . 
الامام لايحتاج الى هكذا روايات ومن يلجا لها فهو لا يعلم من هو الامام المعصوم من حيث علومه ، لكن الثقافة في تلك القرون كانت تميل لهكذا روايات لذا انتشرت بين المسلمين ولجميع المذاهب وحتى عند النصارى  واليهود ؟

✦ كتابات في الميزان ✦

يكشف المقال أهميةَ التسلسل الزمني في نقد الروايات التاريخية، متخذًا من قصة لقاء المأمون بالإمام محمد الجواد (عليه السلام) نموذجًا للتعارض بين الأعمار والتواريخ والأحداث. ويبيّن أن اضطراب زمن اللقاء والزواج والإقامة في بغداد يثير تساؤلات جدية حول صحة الرواية، ولا سيما أنها صيغت لتمرير حكاية «الباز والحية». فالسنون هنا ليست أرقامًا هامشية، بل قرائن نقدية تكشف الخلل، مع ضرورة التمييز بين ثبوت أصل الحادثة وثبوت تفاصيلها المتداولة.

حادثة.jpg