لماذا كلما خمدت جبهة اشتعلت أخرى؟ ولماذا يبدو أن منطقتنا محكومة بدورة لا تنتهي من الأزمات؟
الإجابة السهلة تقول: بسبب التنوع العرقي والديني. لكن التنوع وحده لا يفسر شيئًا. سويسرا فيها أربع لغات وثلاث ديانات وتعيش باستقرار، وكندا بلد مهاجرين ولا تنهار كل بضع سنوات.
إذن المشكلة ليست في من نحن، بل في كيف تُدار أوضاعنا.
الحقيقة أن الشرق الأوسط يعيش فوق خمس قنابل موقوتة تعمل في الوقت نفسه: دول حديثة التكوين بحدود رسمت في ظروف سياسية معقدة، أنظمة سياسية أغلقت أبواب التداول السلمي للسلطة، هويات جرى تحويلها إلى أدوات للصراع، موارد ومواقع استراتيجية تستقطب القوى الكبرى، وأجيال شابة تواجه بطالة وتنمية متعثرة.
وهذه القنابل لا تنفجر كلها في وقت واحد، لكنها تجعل المنطقة قابلة للاشتعال كلما توافرت الظروف المناسبة.
فمعظم دول المنطقة وُلدت خلال القرن الماضي، وبحدود لم تكن دائمًا انعكاسًا طبيعيًا للتكوينات الاجتماعية. وفوق هذا التأسيس الهش أقمنا دولًا مركزية قوية، وأغلقنا في كثير من الحالات أبواب التداول السلمي للسلطة.
والنتيجة أن الخلاف السياسي، عندما لا يجد مؤسسات ديمقراطية قادرة على استيعابه، يبحث عن أدوات أخرى. وعندما لا توجد معارضة سياسية فاعلة، تصبح المعارضة طائفية أو قبلية أو جهوية، وأحيانًا مسلحة.
العرب والكرد والفرس والتركمان والأمازيغ، والسنة والشيعة والمسيحيون والإيزيديون، عاشوا قرونًا في هذه المنطقة. لم يكن التنوع وحده سببًا للحروب.
ما الذي تغير؟
تغير عندما تحولت الهوية من انتماء إلى بطاقة سياسية وخطاب تعبئة. رأينا ذلك في المحاصصة بالعراق، وفي الاستقطاب المذهبي بين طهران والرياض، وفي توظيف القضية الفلسطينية، وفي خطاب «الأقليات» الذي يمكن أن يتحول أحيانًا إلى مدخل للتدخل الخارجي.
الهوية لم تعد انتماءً، بل أصبحت سلاحًا.
ثم هناك الجغرافيا والثروة. المنطقة تمتلك موارد طاقة هائلة، وتضم أنهارًا وممرات ومضائق ذات أهمية استراتيجية للعالم. وهذا الموقع يجعل من الصعب أن تترك القوى الكبرى المنطقة تحل مشكلاتها وحدها.
من الحرب الباردة إلى اليوم، تحولت صراعات محلية كثيرة إلى ساحات لصراعات دولية. نتحول إلى ساحة، وتتحول بعض دولنا إلى أدوات في صراع أكبر من حدودها.
أما القنبلة الأخطر فهي الإنسان نفسه.
الشرق الأوسط منطقة شابة، وكان يمكن أن يكون ذلك ميزة اقتصادية هائلة. لكن ماذا وجد كثير من الشباب؟ بطالة، تعليم لا يواكب سوق العمل، خدمات متراجعة، وانسداد في الأفق.
الشاب الذي لا يرى مستقبله في وطنه يبحث عنه في مكان آخر؛ بعضهم في الهجرة، وبعضهم قد يقع في براثن التطرف. وفي الحالتين تخسر الدولة طاقة بشرية كان يمكن أن تكون أساسًا للتنمية.
بعد الحرب العالمية الثانية، أدركت أوروبا أن استمرار الصراع بينها يعني استمرار الكارثة، فبدأت ببناء مؤسسات ومصالح مشتركة انتهت إلى الاتحاد الأوروبي.
ماذا صنعنا نحن؟
لا سوق إقليمية حقيقية، ولا رؤية مشتركة للمياه والطاقة، ولا منظومة أمن إقليمية قادرة على إدارة الخلافات، بينما تبقى كل دولة منشغلة بأمنها ومصالحها، وأحيانًا في مواجهة مع جارتها.
وهذا الفراغ تملؤه دائمًا قوى من خارج الإقليم.
إذن المسألة ليست «طبعًا» شرقيًا، ولا «لعنة تاريخية»، ولا نتيجة حتمية للتنوع.
المسألة معادلة أكثر وضوحًا .
دولة ضعيفة التأسيس و موارد ومواقع تجذب القوى الكبرى و هوية قابلة للتوظيف السياسي و تنمية متعثرة تؤدي إلى توتر دائم.
وكسر هذه المعادلة لا يتم بالشعارات.
يحتاج إلى دولة مواطنة، لا دولة طوائف ومذاهب. وإلى اقتصاد منتج، لا اقتصاد ريعي. وإلى مؤسسات سياسية تسمح بتداول السلطة، وإلى تعاون إقليمي يمنح أبناء المنطقة قدرة أكبر على حل مشكلاتهم بأنفسهم، بعيدًا عن الوكلاء والتدخلات الخارجية.
حتى يحدث ذلك، سيبقى السؤال نفسه يتكرر كل بضع سنوات.
وستبقى الإجابة واحدة، ما لم تتغير المعادلة
✦ كتابات في الميزان ✦
يكشف المقال أن أزمات الشرق الأوسط ليست قدرًا مرتبطًا بالتنوع الديني والعرقي، بل نتيجة تراكمات سياسية واقتصادية جعلت المنطقة شديدة القابلية للاشتعال. فضعف دولة المواطنة، وتسييس الهويات، والتدخلات الخارجية، وتعثر التنمية حوّلت الخلافات الطبيعية إلى صراعات مزمنة. ويؤكد الكاتب أن كسر هذه الدائرة يبدأ ببناء مؤسسات عادلة، واقتصاد منتج، وتعاون إقليمي يضع مصالح شعوب المنطقة فوق صراعات المحاور.
