موازنة البرامج والأداء: خارطة طريق لتجفيف شبكات الفساد

 يتجه العراق، للمرة الأولى، في مشروع موازنة عام 2027، نحو اعتماد منهج موازنة البرامج والأداء، الذي يربط تخصيص الموارد المالية بالنتائج الفعلية والبرامج التنموية، بدلًا من الاكتفاء بتوزيع الأموال على أبواب وبنود تقليدية من دون قياس دقيق لما تحقق على أرض الواقع.

وبحسب ما أعلنه وزير المالية فالح ساري، فإن مشروع موازنة عام 2027 سيُقدّم إلى مجلس الوزراء ضمن التوقيتات المحددة، مع استمرار اللجان المختصة في إعداد متطلبات التحول نحو موازنة البرامج والأداء.

وتشير التقديرات الأولية، غير النهائية، إلى أن حجم الموازنة قد يناهز 200 تريليون دينار، أي ما يعادل نحو 153 مليار دولار، فيما قد تبلغ النفقات التشغيلية، بما فيها الرواتب والتقاعد والدعم الاجتماعي، نحو 155 تريليون دينار، بما يقارب 78% من إجمالي الموازنة.

أما الإنفاق الاستثماري والمشروعات والبرامج الموجهة بالأداء، فتدور تقديراته المتداولة بين 45 و50 تريليون دينار، مع التأكيد أن هذه الأرقام ما تزال أولية، ولم تكتسب صفتها الرسمية النهائية قبل استكمال مشروع القانون وإقراره.

ويهدف هذا التحول إلى الانتقال التدريجي من موازنة البنود التقليدية إلى موازنة تربط الإنفاق الحكومي بمؤشرات إنجاز واضحة، ولا سيما في قطاعات الصحة والتعليم والكهرباء والبنى التحتية والخدمات الأساسية.

وقد سبقت العراق دول عديدة في اعتماد أشكال مختلفة من موازنات البرامج والأداء، من بينها الولايات المتحدة وبريطانيا، فضلًا عن تجارب إقليمية في مصر والسعودية وتونس وسلطنة عُمان. وتفاوتت نتائج هذه التجارب بحسب قوة المؤسسات، ودقة مؤشرات القياس، ومستوى الشفافية والرقابة والمساءلة.

من ثقافة الصرف إلى جودة النتائج

تتمثل أبرز النتائج المتوقعة لتطبيق موازنة البرامج والأداء، التي تعتزم الحكومة اعتمادها تدريجيًا ابتداءً من عام 2027، في الانتقال من ثقافة قياس النجاح بحجم الأموال المصروفة إلى ثقافة تقيس جودة النتائج المتحققة.

فليس المهم أن تعلن الوزارة أنها أنفقت كامل تخصيصاتها، بل أن تجيب عن أسئلة محددة: ماذا أنجزت؟ وما أثر الإنفاق في حياة المواطنين؟ وهل تحسنت الخدمة؟ وهل تحققت الأهداف ضمن الوقت والكلفة المحددين؟

وبهذا الأسلوب، يصبح تخصيص الأموال العامة مرتبطًا بأهداف ومشروعات ملموسة، بدلًا من توزيعها تلقائيًا على البنود التقليدية، ثم اعتبار ارتفاع نسبة الصرف دليلًا كافيًا على النجاح.

إن موازنة البرامج والأداء لا تسأل الوزارة: كم أنفقت؟ بل تسألها: ماذا حققت بما أنفقت؟

كيف يُقاس أداء الوزارات؟

بالنسبة إلى الوزارات السيادية والخدمية التي لا يُقاس عملها بمردود مالي مباشر، مثل وزارتي الدفاع والداخلية، يمكن تقييم الأداء من خلال مؤشرات الكفاءة والجاهزية وسرعة الاستجابة والنتائج الأمنية المتحققة.

ومن بين المؤشرات الممكن اعتمادها في وزارة الداخلية، مثلًا، متوسط الوقت المستغرق للاستجابة إلى البلاغات والجرائم، مقاسًا بالدقائق، ومدى انتشار الدوريات ومراكز الاستجابة، ونسبة الآليات والمعدات الصالحة للخدمة مقارنة بالمجموع الكلي.

أما في مجال التأهيل والتدريب، فيمكن القياس بعدد الدورات التدريبية المنجزة، ونسبة المنتسبين الذين اجتازوا اختبارات الكفاءة السنوية، ومدى انعكاس التدريب على أدائهم الفعلي.

وتشمل مؤشرات الفعالية والأثر قياس معدلات الجرائم المنظمة والسرقات والاعتداءات، ومقارنتها بالسنوات السابقة، مع مراعاة اختلاف الكثافة السكانية والظروف الأمنية بين المحافظات.

وفي مجال مكافحة المخدرات، ينبغي ألا يقتصر القياس على كمية المواد المضبوطة، بل يشمل عدد الشبكات التي جرى تفكيكها، ونسبة انخفاض انتشار المخدرات، وعدد المتعافين في مراكز التأهيل، ومدى فاعلية برامج الوقاية والتوعية.

أما في ملف تأمين الحدود، فيمكن اعتماد مؤشرات تتعلق بعدد محاولات التسلل والتهريب المكتشفة والمحبطة، ونسبة التغطية التقنية للحدود الدولية، وسرعة التعامل مع الخروقات.

التحول الرقمي معيار للأداء

يمكن أن تكون مؤشرات التحول الرقمي من أهم أدوات تقييم المؤسسات الحكومية، عبر قياس نسبة الخدمات التي جرت أتمتتها، ونسبة إنجاز البطاقة الوطنية الموحدة والجواز الإلكتروني، ومقدار تقليل الوقت اللازم لإصدار الوثائق الرسمية للمواطنين.

ولا يكفي أن تعلن الوزارة إطلاق منصة إلكترونية، بل ينبغي قياس عدد المستفيدين الفعليين منها، ونسبة المعاملات التي أُنجزت إلكترونيًا بالكامل، ومدى انخفاض حالات التأخير والابتزاز والرشوة بعد تشغيلها.

وتشمل مؤشرات المنظومات الأمنية الذكية عدد كاميرات المراقبة المفعلة فعليًا، ونسبة التغطية في المدن الكبرى، ومستوى ربطها بمراكز القيادة والسيطرة، ودورها في كشف الجرائم وتقليل الاعتماد المفرط على العنصر البشري.

كفاءة الإنفاق ومنع الهدر

تُقاس كفاءة الإنفاق المالي من خلال مقارنة كلفة الخدمة أو البرنامج بالنتائج المتحققة. ففي القطاع الأمني، مثلًا، يمكن قياس كلفة إطعام وتجهيز المقاتل الواحد، والتأكد من وصول الدعم والتجهيزات إلى المستفيدين الفعليين من دون تسريب أو فساد.

وفي المشتريات العسكرية، يمكن قياس مدى الالتزام بجداول تسلّم الأسلحة والمعدات وفق العقود المبرمة، ومطابقة المواد المجهزة للمواصفات المطلوبة، ومنع التأخير أو التلاعب في التنفيذ والأسعار والكميات.

وبهذا، لا تبقى العقود الحكومية مجرد أرقام وموافقات ومستندات، بل تصبح خاضعة للتقييم من لحظة تخصيص الأموال حتى وصول المشروع أو الخدمة إلى المستفيد النهائي.

مثال عملي: برنامج الأمن الرقمي

في الموازنة التقليدية، قد تُمنح وزارة الداخلية مليار دينار تحت بند «شراء كاميرات مراقبة»، من دون ربط التخصيص بنتيجة نهائية واضحة.

أما في موازنة البرامج والأداء، فيمكن صياغة المشروع، على سبيل المثال، بالشكل الآتي:

اسم البرنامج: تعزيز الأمن الرقمي في العاصمة.

الهدف: خفض سرقات السيارات بنسبة 15% في المناطق التجارية.

مؤشر التنفيذ: تركيب 500 كاميرا ذكية وربطها بمراكز القيادة والسيطرة خلال تسعة أشهر.

مؤشر النتيجة: قياس نسبة انخفاض سرقات السيارات في المناطق المشمولة بعد تشغيل المنظومة.

فإذا انتهت السنة، وجرى تركيب الكاميرات وتشغيلها، وانخفضت السرقات بالنسبة المستهدفة، يُعد أداء الوزارة ناجحًا، ويُؤخذ ذلك في الحسبان عند تحديد التمويل المستقبلي.

أما إذا صُرفت الأموال من دون تركيب المنظومة، أو رُكبت الكاميرات ولم تُفعّل، أو لم يتحقق أثر ملموس، فتجري مساءلة الجهة المنفذة، ومراجعة البرنامج، وإعادة توجيه التمويل.

وهنا تكمن العلاقة المباشرة بين موازنة الأداء ومكافحة الفساد؛ إذ يصبح من الصعب تمرير مشروع وهمي أو تضخيم كلفته، لأن التمويل لن يُقاس بالفواتير وحدها، بل بالنتائج القابلة للتحقق.

هل تجفف موازنة الأداء شبكات الفساد؟

يمكن لموازنة البرامج والأداء أن تكون أداة مهمة لتجفيف شبكات الفساد، لكنها ليست حلًا سحريًا. فنجاحها يتطلب مؤشرات واقعية، وبيانات دقيقة، وأنظمة متابعة رقمية، ورقابة مستقلة، ونشر تقارير دورية تتيح للمواطنين والبرلمان والإعلام معرفة ما أُنجز وما أُخفق فيه.

أما إذا وضعت المؤسسات مؤشرات شكلية يسهل التلاعب بها، أو احتكرت البيانات ومنعت الرقابة، فقد تتحول المنهجية الجديدة إلى تغيير في المصطلحات من دون تغيير فعلي في إدارة المال العام.

لذلك، ينبغي ربط موازنة البرامج والأداء بديوان الرقابة المالية وهيئة النزاهة والبرلمان، مع نشر نسب الإنجاز والكلف والجهات المنفذة وتواريخ البدء والانتهاء، وإتاحة البيانات للرأي العام.

تنويع الاقتصاد ومواجهة الصدمات

يمكن لموازنة البرامج والأداء أن تدعم جهود تنويع الاقتصاد، من خلال توجيه التمويل نحو البرامج التي تنشط الإيرادات غير النفطية، وتطور الزراعة والصناعة والنقل والخدمات والقطاع الخاص، بدل استمرار الاعتماد شبه الكامل على الإيرادات النفطية.

كما يمكن أن تسهم في تحقيق الاستدامة المالية، عبر رفع قدرة الاقتصاد العراقي على مواجهة الصدمات الخارجية، وتقلبات أسعار النفط، والتوترات الإقليمية، وتقليل الهدر في النفقات التشغيلية.

ويبقى نجاح هذه التجربة مرهونًا بجدية التنفيذ؛ فالعبرة ليست بتغيير اسم الموازنة، بل بتغيير فلسفة إدارة المال العام. وإذا طُبقت موازنة البرامج والأداء بشفافية ورقابة حقيقية، فقد تتحول من وثيقة لتوزيع الأموال إلى أداة لبناء الدولة، ومحاسبة المقصرين، وتجفيف منابع الفساد.

✦ كتابات في الميزان ✦
يقدّم المقال موازنة البرامج والأداء بوصفها تحولًا في فلسفة إدارة المال العام؛ فالنجاح لا يُقاس بحجم الإنفاق، بل بالخدمة والنتيجة والأثر. وتكمن أهميتها في تحويل المشروعات والعقود إلى أهداف قابلة للقياس والمساءلة، بما يضيّق مساحة الهدر والفساد. غير أن نجاح التجربة يبقى مشروطًا بدقة البيانات، واستقلال الرقابة، وشفافية نشر النتائج، وإلا أصبحت مجرد تغيير في أسماء البنود.

الموازنة.jpg