الجامعة العربية... والهروب وقت المحن

يعلم الجميع أن عددًا من الدول العربية نال استقلاله منذ عقود طويلة قاربت القرن، وأن جامعة الدول العربية تأسست رسميًا في 22 آذار/مارس 1945، على أمل أن تكون إطارًا جامعًا للدفاع عن مصالح الدول العربية، وتنسيق مواقفها، وتعزيز قدرتها على مواجهة الأزمات والتحديات.

لكن الجامعة، رغم الأحداث الكبرى التي مرت بها دولها وشعوبها، بقيت عاجزة عن أداء دور فاعل ينسجم مع الأهداف التي أُسست من أجلها. وعند اشتداد المحن، غالبًا ما تتراجع مواقفها إلى حدود البيانات والتنديد، في وقت تحتاج فيه الشعوب العربية إلى مواقف حقيقية تحمي مصالحها وتصون مستقبلها.

لقد كانت الأمة العربية، في مراحل سابقة، منارة للعلم والحضارة والفكر، ولذلك اعتقدت شعوبها أن إنشاء الجامعة العربية سيجعل منها قوة قادرة على الدفاع عن حقوقها واستقلالها، وأن ذلك الاستقلال لن يكون منّة من أحد، بل حقًا أصيلًا من حقوق الإنسان في إدارة شؤونه وصيانة حقوقه والدفاع عن أرضه ومستقبله.

وكان الاعتقاد السائد أن الشعوب العربية التي قاومت الاستعمار، وقدمت التضحيات من أجل طرده بعد أن جثم على صدرها زمنًا طويلًا، ستتمكن من بناء دول مستقلة وقوية، وأن الحكومات التي جاءت بعد الاستقلال ستكون بمستوى المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقها.

لكن المؤسف حقًا أن جانبًا من ذلك الاستقلال لم يكن، في بعض الحالات، إلا استقلالًا صوريًا لا حقيقيًا. فقد خرج الاستعمار بثوبه ولونه، لكنه أبقى وراءه شبكات وأدوات وقوى محلية تنوب عنه في حماية مصالحه وتنفيذ سياساته.

وهكذا لم تتحرر بعض الحكومات من أشكال التبعية، وبقيت الشعوب ترزح تحت وطأة نفوذ أجنبي مباشر أو غير مباشر، تمارسه قوى محلية ارتبطت مصالحها بمصالح الخارج أكثر من ارتباطها بحقوق مواطنيها.

ولم نعد نسمع صوتًا عربيًا رسميًا يرتفع بالقدر المطلوب في وجه الظلم الذي أصاب شعوب المنطقة، وما يزال يصيبها. فأصداء معاناة هذه الشعوب تتردد كل يوم، لكن من دون استجابة جادة من السلطات التي يُفترض بها الدفاع عن مصالحها وحقوقها.

ويبدو الجمهور العربي عاجزًا عن تحريك ساكن، ليس بسبب غياب الوعي أو انعدام الشعور بالمسؤولية، بل نتيجة لامبالاة الحكومات، وتقييد المجال العام، وضعف قدرة الشعوب على التأثير في القرار السياسي.

ويحدث ذلك في وقت تقف فيه المنطقة في قلب أحداث كبرى، وأزمات أخرى صغيرة ومبعثرة، تنذر جميعها بتحولات خطيرة. وربما يكون الانفجار قادمًا، فهذا ما توحي به الأيام والضغوط المتراكمة التي نعيشها.

أما مصطلح «الأمة العربية»، فإنه يفقد مضمونه الإنساني حين يتحول من رابطة ثقافية وحضارية إلى أداة للتعصب أو التمييز. فالإسلام أقام العلاقة بين الناس على أساس المساواة والكرامة، ورفض التفريق على أساس العرق أو اللون أو الأصل، مؤكدًا أنه لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى.

ولولا مبدأ المساواة في الإسلام لما انتشرت رسالته بين الشعوب؛ لأنه عدّ التمييز على أساس الجنس أو العرق من بقايا الجاهلية التي جاء لتجاوزها.

إن الساعين بصدق إلى إطفاء الحرائق المشتعلة في المنطقة قليلون، وربما يكاد حضورهم يكون معدومًا. ولذلك تُعد المرحلة التي تمر بها الدول العربية مرحلة تاريخية حاسمة، وجديرة بالدراسة المتأنية من حيث طبيعتها وأسبابها ومآلاتها.

ويمكن وصف هذه المرحلة بأنها فترة لإعادة التشكل، أو إعادة بناء العلاقات الاجتماعية والإقليمية والدولية من جديد. وبهذا المعنى، قد تكون من أهم المراحل في تاريخنا الحديث؛ إذ يمكن تحويلها إلى بداية ليقظة حقيقية، وإرساء أسس نهضة فاعلة، إذا توافرت الإرادة والرؤية والشجاعة.

إن الأمة العربية، في واقعها الراهن، لا تبدو أمة واحدة أو مجتمعًا متماسكًا، بل أصبحت منقسمة إلى دول ومجتمعات ومحاور متنازعة. وقد أسهم الصراع على قيادة المنطقة، والتدخل الخارجي، ودعم أطراف على حساب أخرى، في تعميق الانقسام وإغراق الشعوب في مزيد من المصائب والمحن.

وكانت المحنة الفكرية والثقافية من أشد هذه المحن وأعمقها؛ فقد تجسدت في الاستبداد السياسي والانغلاق الثقافي، وأفقدت الأمة كثيرًا من شخصيتها وخصائصها الحضارية، وأدخلتها في متاهات مظلمة.

وهكذا أصبحت أجزاء واسعة من المنطقة تابعة لغيرها، بعد أن كانت صاحبة حضارة ومبادرة وتأثير. وبقيت الجامعة العربية، التي كان يُفترض أن تكون بيتًا جامعًا، عاجزة عن مغادرة دائرة البيانات والاجتماعات الموسمية.

إن الجامعة العربية لا تحتاج إلى قمة جديدة بقدر حاجتها إلى إرادة جديدة؛ فالمؤسسات لا تكتسب قيمتها من تاريخ تأسيسها، وإنما من قدرتها على الفعل في لحظات الاختبار.

وفي وقت المحن، لا يُقاس دور الجامعة بعدد البيانات التي تصدرها، بل بعدد الأزمات التي منعت وقوعها، والحقوق التي دافعت عنها، والشعوب التي وقفت إلى جانبها. أما الهروب عند اشتداد المحنة، فلا يحمي مؤسسة ولا يصنع أمة.

✦ كتابات في الميزان ✦
يضع المقال الجامعة العربية أمام سؤال الجدوى بعد أكثر من ثمانية عقود على تأسيسها، في ظل اتساع الفجوة بين أهدافها المعلنة وقدرتها الفعلية على مواجهة الأزمات. ويكشف أن العجز العربي لا يرتبط بالمؤسسة وحدها، بل ببنية من التبعية والانقسام والاستبداد أضعفت إرادة الفعل المشترك. فالمؤسسات الإقليمية لا تُختبر في القمم والبيانات، وإنما في قدرتها على حماية الشعوب عندما تشتد المحن.

الجامعة_العربية.jpg