تعيش شرائح واسعة من العراقيين منذ عقود أزمة سكن متفاقمة، لم تنجح الحكومات المتعاقبة في إيجاد حلول جذرية لها، سواء عبر توفير الأراضي السكنية أو بناء مجمعات منخفضة الكلفة أو تطوير أنظمة تمويل قادرة على مساعدة أصحاب الدخول المحدودة.
ومع استمرار ارتفاع أسعار الأراضي والعقارات، لجأ عدد من المواطنين إلى شراء قطع في مناطق زراعية أو غير مفرزة رسميًا، وفي بعض الأحيان عبر وسطاء وشبكات تستفيد من غياب الرقابة وضعف التنظيم. وقد حدث ذلك على مدى سنوات طويلة أمام مؤسسات الدولة وأجهزتها المحلية، إلى أن تحولت بعض المناطق إلى أحياء سكنية كاملة.
وما إن أكمل المواطنون بيوتهم، وساهم بعضهم في توفير الخدمات لمناطقهم، من مجارٍ وشوارع وأعمدة كهرباء، حتى وجد قسم منهم نفسه أمام إجراءات إزالة وهدم، لتتحول أزمة قانونية وإدارية قديمة إلى مأساة اجتماعية تتحمل الأسر الضعيفة الجزء الأكبر من كلفتها.
ولا يعني ذلك أن التجاوز على أملاك الدولة أو الأراضي الزراعية حق مكتسب، ولا أن تطبيق القانون ينبغي أن يتوقف؛ لكن السؤال هو: أين كانت الدولة طوال سنوات البناء والبيع والشراء؟ ومن سمح بتقطيع الأراضي وتسويقها؟ ولماذا تقع العقوبة النهائية غالبًا على الأسرة التي دفعت مدخراتها، فيما يبقى المتاجر بالأرض أو المستفيد الأكبر بعيدًا عن المشهد؟
وتؤكد الجهات الرسمية أن البناء الجديد في الأراضي الزراعية بعد قرار مجلس الوزراء رقم 320 لسنة 2022 مخالف للضوابط، في حين توجد إجراءات لتغيير جنس وتمليك بعض المناطق القائمة المشمولة بالقرار. كما أعلنت أمانة بغداد في تموز 2026 أنها مستمرة بتحويل بعض الأراضي الزراعية إلى سكنية وبيعها لشاغليها وفق الضوابط.
ومن هنا فإن المشكلة ليست في وجود القانون، وإنما في عدالة تطبيقه، وفي قدرة الدولة على التمييز بين حماية المال العام والأرض الزراعية من جهة، وبين معالجة واقع اجتماعي تراكم على مدى سنوات من جهة أخرى.
فالبيت ليس بضعة أمتار من الإسمنت فحسب، بل مكان للطمأنينة ووعاء للذاكرة ومدخرات سنوات طويلة. وحين يُهدم، لا يخسر المواطن الجدار والسقف فقط، بل قد يخسر أهم ما راكمه طوال حياته.
ولهذا تبدو بعض مشاهد الإزالة قاسية حين تُعرض بصيغة استعراضية أو احتفالية، فيما تقف الأسر أمام الأنقاض. فالواجب الإداري، حتى عندما يكون مستندًا إلى القانون، ينبغي أن يُنفذ بطريقة تحافظ على كرامة الإنسان، وتبتعد عن الإهانة والتشفي.
وتقر الجهات الرسمية نفسها بأن ظاهرة التجاوزات قديمة ومتراكمة، وأن التشريعات والقرارات السابقة تأرجحت بين الإزالة والتعويض والتمليك وتنظيم العشوائيات، وهو ما يعكس غياب معالجة مستقرة للملف على مدى سنوات. وقد أشار مجلس القضاء الأعلى في دراسة قانونية إلى أن الحكومات المتعاقبة حاولت معالجة الظاهرة بقرارات متعددة ومتباينة، بعضها اتجه إلى الإزالة وبعضها إلى تنظيم أو تعويض المتجاوزين.
وعلى المستوى النفسي، يمثل البيت الملجأ الآمن ورمز الاستقرار والهوية. وحين تفقد الأسرة منزلها، قد تشعر بأنها طريدة داخل وطنها، وهو شعور يولد الغضب والعجز والاغتراب، خصوصًا عندما لا يتوافر بديل مناسب.
أما سياسيًا، فإن الأزمة تضع الدولة أمام امتحان العدالة الاجتماعية. فلا يكفي أن تزال الأبنية المخالفة إذا استمرت شبكات بيع الأراضي غير القانونية، أو بقيت أزمة السكن بلا حلول حقيقية، أو لم تُفتح مسارات منظمة للفئات الفقيرة للحصول على الأرض والمسكن.
وقد أطلقت الحكومة في 2026 مبادرة للمليون وحدة سكنية في المحافظات، مع اختيار أراضٍ غير منتجة وقريبة من المدن، وهو مسار يمكن أن يمثل جزءًا من الحل إذا نُفذ بشفافية ووصل فعلًا إلى الفئات المستحقة.
إن المطلوب ليس أن تتخلى الدولة عن القانون، بل أن تطبقه من بدايته لا من نهايته فقط: منع تقسيم الأراضي بصورة غير قانونية، وملاحقة من يتاجر بها، وتوفير البدائل السكنية، وتنظيم المناطق القابلة للتسوية القانونية، ثم التعامل بصرامة مع التجاوزات الجديدة.
ختامًا، تبقى الجرافات الصفراء صورة مؤلمة في الذاكرة الاجتماعية عندما تأتي بعد سنوات من الصمت الرسمي. والدولة الحديثة لا تُقاس فقط بقدرتها على إزالة المخالفة، بل بقدرتها على منع نشوئها أصلًا، وحماية المال العام وكرامة المواطن في الوقت نفسه.
فالمدينة لا تُبنى بالخرسانة وحدها، بل بالعدالة والثقة، والبيت لا يصبح أمنًا لمجرد وجود سقف، وإنما حين يشعر ساكنه أن الدولة تحمي القانون وتحمي الإنسان معًا.
✦كتابات في الميزان✦
يمتلك النص قضية إنسانية قوية، لكن قوته الحقيقية تظهر عندما يُخرج أزمة السكن من الاصطفاف الطائفي إلى سؤال العدالة والمسؤولية. فالمفارقة ليست في أن الدولة تطبق القانون، بل في أن المخالفة قد تنمو سنوات أمامها، ثم يظهر القانون في المرحلة الأخيرة أمام بيت مكتمل وأسرة مستقرة. والمقال يصبح أكثر تأثيرًا حين يطالب بدولة تمنع المتاجرة بالأرض منذ البداية، وتوفر السكن، وتحمي المواطن والمال العام معًا.
