المجاز في القرآن الكريم

 الاستعارة والتشبيه والتمثيل والمجاز، وسائر الفنون البلاغية، تدخل في دائرة التعبير المجازي بمعناه الواسع.

ويرى علي بن عيسى الرماني في قوله تعالى:
﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ [الأعراف: 154]، أن حقيقة القول هي انتهاء الغضب، وأن الاستعارة أبلغ؛ لأنها صورت الغضب كأنه كائن يتكلم ثم يسكت، والمعنى الإمساك عما يُكره.

وأما في قوله تعالى:
﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: 110]، فيراها استعارة ومجازًا؛ لأن أصل البنيان للحيطان، فجُعل البنيان نفسه ريبةً في القلوب.

ويقول ابن رشيق القيرواني إن العرب كثيرًا ما تستعمل المجاز، وتعده من مفاخر كلامها.

ويقف الدكتور بدري طبانة عند معنى قوله تعالى:
﴿هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق: 30]، في إطار دراسة الأسلوب القرآني وما فيه من تصوير وبلاغة.

وهناك عمليات استقراء للبعد المجازي، فقد تأمل ابن قتيبة في قوله تعالى:
﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾ [النبأ: 9]، فإذا كان معنى السُّبات النوم، صار المعنى: «جعلنا نومكم نومًا»، لكن السبات يُفهم بمعنى الراحة والانقطاع عن العمل، ومنه قيل السبت.

وكان الشريف الرضي عالمًا موسوعيًا في المجاز، ومن أوائل من أفرد مجازات القرآن بالتأليف. ففي قوله تعالى:
﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: 115]، ينفي الجسمية والجهة عن الباري تعالى، ويوجه اللفظ نحو المجاز، أي جهة التقرب إلى الله والطريق الدالة عليه.

ويحمل الرضي قوله تعالى:
﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [هود: 44]، على الاستعمال المجازي؛ لأن الأمر والخطاب في الأصل للعاقل، والمراد الإخبار عن عظيم قدرة الله وسرعة نفاذ أمره. والابتلاع دليل على إذهاب الماء بسرعة، و«أقلعي» أبلغ في تصوير الانقطاع السريع. ويلفت النظر أيضًا إلى قيمة المزاوجة بين اللفظين: «ابلعي» و«أقلعي».

وفي قوله تعالى:
﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ [القمر: 11]، تأتي الصورة بمعنى تيسير انهمار الأمطار وغزارتها.

ويظهر التصوير المجازي أيضًا في نسبة الخشوع والتصدع إلى الجبل في قوله تعالى:
﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: 21]، إذ نُسبت إلى الجبل صفات من الخشوع والخشية والتأثر، في صورة بلاغية تعظّم أثر القرآن.

وقسّم عبد القاهر الجرجاني المجازات إلى مجالات تتصل باللفظ والمعنى، ومن أبرز ما تطور بعده الحديث عن المجاز اللغوي، الذي يدخل فيه الاستعارة، والمجاز العقلي أو الحكمي، الذي يقوم على إسناد الفعل إلى غير من هو له في الأصل.

ومن أمثلته قوله تعالى:
﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم: 25]، وقوله تعالى:
﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: 2].

كما نظر الزمخشري في أسلوب العبارة والتركيب الجملي لرصد المضمون البياني، من تمثيل وتشبيه واستعارة وأصناف المجاز.

وفي قوله تعالى:
﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة: 16]، أُسند الربح إلى التجارة، مع أن الرابح أو الخاسر في الأصل هم أصحابها، وهو إسناد مجازي بليغ.

ومثل ذلك ما تناوله البلاغيون في قوله تعالى:
﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: 22]، حيث جرى تفسيره عند كثير من علماء الكلام والبلاغة على غير المعنى الحسي الظاهر، بما ينسجم مع التنزيه.

وهكذا تتعدد المجازات في القرآن الكريم، وتتنوع طرائقها بين الاستعارة والتمثيل والإسناد المجازي وغيرها، لتكشف عن ثراء البيان القرآني، وقدرته على نقل المعاني المجردة في صور حسية مؤثرة تفتح أمام القارئ آفاقًا واسعة من التأمل والفهم.

✦كتابات في الميزان✦

يقدّم النص المجاز بوصفه واحدًا من المفاتيح المهمة لفهم جماليات التعبير القرآني، إذ تتحول المعاني المجردة إلى صور حية قادرة على التأثير في الذهن والوجدان. وتبرز قيمة المادة في جمعها آراء عدد من أعلام البلاغة حول آيات متعددة، بما يكشف تطور النظر إلى المجاز من الرماني والشريف الرضي إلى الجرجاني والزمخشري. والأجمل أن المقال لا يتوقف عند المصطلح، بل يبيّن كيف يعمل المجاز داخل النص القرآني ليمنح المعنى قوة ووضوحًا وإيحاءً.

القرآن.jpg