مذكرات إعلامي متقاعد (14) .. . حكاية وفاء لا تُنس

 بعد سقوط النظام العبثي في نيسان 2003م، تشكّلت لجان تطوعية بتكليف من إدارة العتبات المقدسة. وفي هذه الفترة، كان أغلب العاملين في خدمة العتبة العباسية المقدسة وحمايتها ممن قدّموا التضحيات في سبيل هذا اليوم، ومن الذين كانوا يحلمون بهذه الخدمة المشرّفة.

وكان العمل التطوعي هو النظام المعمول به، ثم صُرفت الأجور على شكل منح ومكافآت بسيطة جدًا، تعتمد على ما يتوفر في صناديق الأضرحة من نذور.

وكانت «صدى الروضتين» تعيش قلب الموقف؛ لذلك كان همّها التواصل مع المنتسبين من ذوي الشهداء والعوائل الخدمية. ولهذا كان القرار، في العدد 19 من «صدى الروضتين» الصادر في 8 تموز 2005م، وضمن حلقة من حلقات «لقاء القلوب» التي حملت سمة التواصل مع عوائل الشهداء، أن نتحاور مع الجرح الحسيني وهويات الانتماء الوجداني، ونتعايش مع تضحيات هذه العوائل.

فهذا العمل، رغم بساطته، يُعدّ منجزًا إنسانيًا وإعلاميًا يعمل على تعزيز التواصل مع هذه العوائل، ويسهم في ترسيخ قيم الوفاء لتضحياتهم الكبيرة ورفع الروح المعنوية.

التقينا الحاج حسين رضا عبد العباس، الذي كان يشغل، في حينه، منصب مسؤول قسم حفظ النظام في العتبة العباسية المقدسة.

وقبل الحديث، خنقته العبرة، وحدّق بعيدًا في سماء الماضي، مستذكرًا الشباب والمرح في بيت زاوج بين سعادة الدنيا وابتغاء الآخرة، في زمن أصبح المؤمن فيه غريبًا.

كان يوم الحزم:

﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾

ذهبوا للمواجهة ولم يعودوا.

كان ذلك في بداية الانتفاضة الشعبانية المباركة عام 1991م.

الشهيد الأول: محمد رضا عبد العباس، مواليد 1958م، متزوج وله طفلان.

الشهيد الثاني: عبد الزهراء رضا عبد العباس، مواليد 1968م، أعزب.

الشهيد الثالث: نعمة رضا عبد العباس، مواليد 1970م، أعزب.

وبعد أن تغيرت ملامحه، أيقنت أن الجراح هي التي تحدّثني.

وقال:

كما أُصيب أخي ماجد عند الاقتحام الأول للمحافظة، ولم أعلم بما حدث له إلا بعد مدة، حيث أُخبرت بأنه قد أُصيب. ذهبت فورًا للبحث عنه، فوجدته ينزف. أخذته إلى المستشفى فشُفي، لكنه فقد عينيه، والحمد لله احتفلنا بزواجه قبل أيام.

هؤلاء هم أهل كربلاء؛ لهم القدرة على تجاوز الألم والتعب، وكل الخسائر عندهم تضحيات، حتى لو كان الثمن نور العين.

عمّروا الفرح بزواج ماجد رغم الحرب العنيفة التي شُنّت على كربلاء.

ويواصل الحاج حسين حديثه:

بعد دخول قوات الطاغية، أُلقي القبض عليَّ وسُجنت لمدة ستة أشهر، وحين خروجي هربت إلى بغداد واختبأت فيها عشر سنوات، بعيدًا عن العائلة وعن الأم الثكلى بأبنائها.

كانوا أبطالًا في الانتفاضة، وشهداء رسموا لنا طريق الخلاص.

فأين هيئات ومؤسسات الانتفاضة منهم؟ وأين تقييمهم معنويًا، على أقل تقدير؟

كانت هذه اللقاءات تشدد على المطالبة بحقوق الشهداء وتكريم ذويهم والجرحى، وتعدّ هذه اللقاءات مسؤولية اجتماعية ووطنية وإنسانية.

ولهذا كانت اللقاءات، وكان التواصل، وكانت المطالبة بحقوقهم اعترافًا بالتضحيات العظيمة التي قدمها الشهداء والجرحى، ولضمان الأمن والأمان لهذه الأسر التي فقدت معيلها، وتوفير حياة كريمة لها تليق بمكانتها وبحجم ما قدمته من تضحيات.

✦ كتابات في الميزان ✦

حلقة إنسانية مؤثرة من «مذكرات إعلامي متقاعد» تستعيد جانبًا من البدايات الإعلامية بعد عام 2003، حين تحولت صفحات «صدى الروضتين» إلى مساحة للوفاء لعوائل الشهداء والجرحى. ومن خلال شهادة الحاج حسين رضا عبد العباس، تعود الذاكرة إلى الانتفاضة الشعبانية وتضحيات أسرة دفعت ثلاثة من أبنائها شهداء، فيما حمل آخر جراحه وفقد بصره. إنها ذاكرة لا تسجل الألم وحده، بل تحفظ معنى الوفاء لمن صنعوا تلك المرحلة.

الشهيد_نعمه.jpg
الشهيد محمد رضا عبد العباس 

الشهيد_رضا.jpg
الشهيد عبد الزهراء رضا عبدالعباس

الشهيد_ماجد.jpg
الشهيد ماجد رضا عبدالعباس

الشهيد_نعمه.jpg
الشهيد نعمه رضا عبدالعباس